2010، عام الجدار

ديسمبر 31st, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, فكر و فلسفة

الخميس, 31 ديسيمبر 2009


- 1 -

جدارٌ يقيمه الغرب بينه وبين العرب، أو يقيمه العرب بينهم وبين الغرب.

جدارٌ تقيمه اسرائيل بينها وبين الفلسطينيين - على أرضهم.

جدارٌ تقيمه مصر بينها وبين غَزّة.

جدارٌُ تقيمه الأنظمة العربيّة بينها وبين التقدّم، وهو جدارٌ يتناسلُ ويتنوّع في جدرانٍ كثيرة، سياسية وثقافيّة واجتماعية.

ولا يجوز أن ننسى ذلك الجدارَ الخاصّ، المُحصَّن، الذي يقيمه لبنانُ - الطوائف بينه وبين لبنان - المجتمع.

أفَلا يحقّ لنا، إذاً، أن نُطلق على هذه السنة العربية الجديدة، 2010، اسم «عام الجدار»؟

ومن المصادفات اللغويّة، استطراداً، نجدُ أنّ كلمة «جراد»، تتكوّن من الحروف ذاتِها التي تتكوّن منها كلمة «جدار». فهل يحقّ لنا، استناداً الى «الجِنَاس» بين الكلمتين، أن نُطلق على هذا العام العربيّ اسم «عام الجراد»؟

سواءٌ وافقتَ، أيها القارئ الصّديق أو خالفتَ، فهذا سؤالٌ يَفرضهُ واقِعٌ يتعذَّرُ تسويغهُ أو الدّفاع عنه:

لا نرى في البلاد العربية كلّها،

حِصناً ضدّ الفساد،

أو ضدّ الطّغيان والقمع،

أو ضدّ الرّقابة على الفكر،

أو ضدّ الفَقر،

أو ضدّ الأميّة،

أو ضدّ البطالة،

أو ضدّ العُنف،

أو ضدّ التعصّب والتَخوين والتّكفير… إلخ.

هكذا لا نَرى في البلدان العربيّة غير الجدران التي تُشـيَّدُ وتـعلو ضـدّ الإنسـان وحـقـوقـه وحـرّيـاتـه، وضـدّ النموّ والتقدّم. فما هذا السرّ الذي يدفع العرب الى إقامة مِثل هذه الجدران؟ ولئِن أُتِيحَ لنا أن نكتبَ، بصيغةٍ، أو بأخرى، تاريخاً لِـ «جسم» هذه الجدران، فمن المُحَال، حـتى الآن، أن تـتاحَ لـنا كـتابة تـاريـخٍ لِـ «رُوحـِهـا». ولا بـُدّ لكي نعرفَ هذا السرّ من كتابة هذين التّاريخين مَعاً.

- 2 -

كيف لا تسمح لي، إذاً، أيّها القارئ الصّديق، أن ألهوَ باللّغة، في ضوء هذه الجدران - جسماً»، و «روحاً»؟

هكذا، سأعرف القمرَ، مثلاً، لا بضوئه، بل بعطره. وسأعرفُ الوردةَ لا بعطرها، بل بضوئِها.

سأعرف كذلك الأرض العربيّة، مثلاً، لا بِدورانها حول الشّمس حول قُطْبٍ لفظيّ يتلوّن بالقوميّة والوحدة، بالجنّة والملائكة. وسوف أقول للدّائرين في فَلَكِ هذا القُطب، وفي ظلالِ تلك الجدران وأضوائِها: نصيحتي لكلّ فردٍ منكم، أن يُعادِيَ كلّ فردٍ منكم وأن يُحاربه. أن يُحرّض عليه سَيْفَ السياسة، وسجنَ الأمن، ومعاجمَ الفَتوى، وقيودَ العَصبيّة، وتوابيتَ الفَتكِ والقَتل. وأن يفرضَ عليه ابتكارَ «لغةٍ» لا نموذجَ لها ولا قاعدة، لغةٍ تليقُ بالصّياحِ والهِياج، بالرّصاص والقنابل، بالانفجاراتِ والكُوكَاكولا.

- 3 -

لكن، من أين يَجيئني، فجأةً، خوفٌ غامِضٌ من أن يبدوَ كلامي، هنا، كأنّه يرى في الجدار حجاباً، أو كأنّه، على العكس، يرى فيه كشفاً؟

وربّما صرَخَ بعضهم في وجه ما أقوله: «كيف يمكن أن يكون الجدارُ أو الحجابُ كَشْفاً؟

الجدارُ - الحجابُ - الكَشْف: ثالوثٌ مزيجٌ متناقِضٌ من الظّلام والنُّور، ومن الجِدّ والعبث. لا يدخلُ في العقل».

وليس لي إلا أن أجيبَ هؤلاء متسائلاً:

ألا تحجب مصر نفسها، فيما تحجب غزّة؟ ألا تحجب إسرائيل الإنسان ونفسها، فيما تحجب الفلسطينيين؟

والوجه الذي يخاف من أن يراه العالم، ألا يخاف هو نفسُه، من أن يرى العالم؟ والوجه الذي يخاف أن يرى العالم، لماذا يَجيئ إلى العالم؟

أليس الجدار الذي يفصل بين أبناء الأَرْض، تمزيقاً لصدر الأرض، وبَتراً لأطرافها؟

أليس الجدار كمثل الحجابِ هَرَباً من الضّوء؟

أليس من يُقيم جداراً - حجاباً بين الإنسان والإنسان، كمن يُغطّي الحياةَ بالموت، كمن يجعل من الإنسان كائِناً يعيش موتَه، مسبّقاً، كمن يقودُ جسداً حيّ

المزيد


سؤال الفلسـفة , سؤال الحرية

ديسمبر 28th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , فكر و فلسفة

الرية والفلسفةليس في وارد هذه المقاربة توخي النظر في الجذور التي أفضت إلى غياب الفلسفة وما لابسها نظرياً وتاريخياً , على أهمية هذا وخطورته , وليس القصد من وراءها الوقوف على المآلات التي تناتجت عن هذا الغياب في الفضاء الثقافي العربي العام , من غيابٍ كلّي أو شبه كلّي لسلطة العقل ومرجعيته لصالح مرجعيات ما قبل معرفية مُعتمة , تناسلت ولم تزل بما هو أشد ظلاميةً وقتامةً , لدرجة بتنا نلمس فيها التأثيرات الناتجة عن ذلك ونعاين تجلياته في واقع التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي العربي الذي نشهده بين ظهرانينا .

   إن هذه المحاولة تروم البحث في ميكانزمات إهمال الفلسفة وتفاعلاتها , وما نتج عنها من تراجعٍ لمكانة التفكير الفلسفي في السياق العربي الراهن  , والذي يشهد بمجمله انكساراً وتعثراً في شتى الأصعدة و المستويات , مما حال بيننا كأمةٍ لم تزل تبحث عن مشروعها النهضوي  وبين التطور والتقدم القومي و الإنساني , وانسحاباً ملحوظاً من ميدان الفكر العلمي بعدما قطع شوطاً طويلاً من الابتكار والإبداع , من المحتّم أننا نستهلك آثاره وتداعياته هاهنا , في الجغرافيا العربية الممتدة شرقاً وغرباً , بدءاً من الأقراص المدمجة ذات الاستخدامات التقنية البسيطة وصولاً إلى الفسفور الأبيض الذي يختص بإذابة الأجساد البشرية !! .

   الإشكالية الأساسية في طرح القضية التي بين أيدينا تتعلق بمدى تأثير الفلسفة في الجمهور العربي ومدى تفاعل الأخير معها , لكن مهلاً , فإعمال النظر في هذا لا ينهض إلا على فرضية وجود فلسفة و إنتاج فلسفي ومشروع فلسفي مستقل وفاعل , وهذا لا يصحّ عربياً , مادامت الفلسفة لم تزل معزولة في جزيرة صغيرة تقبع عند أطراف المحيط المتشظي , ومادامت حرية التفكير الفلسفي أصلاً محظورة و محجورٌ عليها من قبل سُـلط سياسية واجتماعية وثقافوية ترى في الشُغل الفلسفي ممارسة عتيقة ونخبوية انقضى زمنها , إلى جانب نظرةٍ يشوبها التهكم والسخرية , وقد يكون من الطريف هنا أن نذكر أن بعض المصريين يدعونها بـ " الفلسحة " تعبيراً عن روح السخرية التي يتمتع بها ضحايا الابتذال والتسطيح , فضلاً عن أن تلك السُلط غير مكترثة أصلاً بالفكر العلمي ولا مبالية إزاء حالة الفوات الحضاري و الحطام العمومي  بلغة الطيب تيزيني , التي تستبد بالأمة ومشروعها المنتظر , إذ أن لهذه السُلط في مجموعها مصلحة متقاطعة في تأبيد ظاهرة الظلام الفلسفي في المجال العام  , لأنها منتفعة من تغييب الفلسفة وعزلها  , بمعنىً ما أو بآخر , لكونها لا تفكر إلا بما يضمن لها المزيد من احتكار الثروة والسلطة .       إلى جانب ما سبق , هناك سلطة ثيوقراطية يتملكها القصور والعطب , سلطة تدّعي لذاتها العصمة , و ترى في نفسها وكيلاً معتمداً وحصرياً  للحقيقة والمعرفة والغيب , لها الأخرى أيضاً المصلحة في الإبقاء على حالة شيوع المفاهيم المبتذلة والمسطحة للفلسفة وتكريسها شعبياً , وفي أشد تجلياتها زيفاً والتباساً  , باعتبارها ضرباً من فذلكة تنظيرية هائمة لا جدوى من طرحها أو بوصفها جنوناً أو زندقةً يحرم ممارستها واقترافها , وقديماً قيل " من تفلسف فقد تزندق " , إنها سلطة تموضع مرجعيتها في سلطة متعالية مقدسة تمنحها الحصانة في مواجهة أي نقد أو نقض , لتخلق في إطار هذه الوضعية الإذعان والتبعية وتجنب أيّ تساؤل !! . 

   لقد فات كثيراً من المشتغلين في الفلسفة , وهذه معركتهم ,  أن مواجهة هذا الابتذال والاختزال والتبسيط المُخل ينطلق بداهةً من التأسيس الملائم لمفهوم الفلسفة الحقيقي وتعميمه , مرهوناً بالانفتاح على مرجعيات تسهم في ضبط السؤال الفلسفي وإشكالاته النظرية على قاعدة المبادأة والتجديد لا المسايرة والتقليد , وهذه معركة لم تحسم بعد , على الرغم من تلك القرون التي أزهقتها الأمة من حياتها .

 
    إن أكثر ما يميز الفلسفة على

المزيد


رجال المخزن… وتدجين الاتباع

ديسمبر 25th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

حزمة مفردات الميثولوجيا من خرافات، واساطير، وحقائق غير مؤكدة، وخوارق لسنن الكون، ومستقبليات في إطار التدافع التاريخي كما وردت في كتب الملاحم والفتن ونهاية العالم وغيرها، كل هذه المفردات مجتمعة أو متفرقة تؤدي بطريقة ما إلى تدجين المتدين بها، وإمداده بقدرة فائقة على قبول الاعتباطية والتناقضية، وتزوده بقوة صبر على تحمل وضعية القهر والعجز والتخلف.

وقد أدرك رجال المخزن (= رجال الدين) أهمية الميثولوجيا في السيطرة على مخيال المتدين وتطويع سلوكه وتدجين تصرفاته، فصنفوا له كتب المناقب، والملاحم، والفتن، وقدمت له في إطار المقدس والوحي لتؤدي وظيفة الميثولوجيا بأبعادها المتنوعة، وأبرز هذه الابعاد رسم الملحمة المستقبلية في إطار الافضلية والخيرية لمعتقدات الاتباع، مما يدفع بالمؤمنين بهذه الاخبار والملاحم إلى ترك الاخذ بسنن وقوانين السيطرة والتحكم في الواقع والنهوض به، وهذا بدوره يجعل المتدين في حالة ترقب مستمر لحلول غيبية كالمعجزات والاساطير السحرية والخوارق.

وعلى هذا الاساس يتوسل دعاة المخزن للاتباع بالماضي وأمجاد الاسلاف ورؤى الزهاد يجملون بها الواقع في نظر المتدين، ويدفعون به إلى قبوله وعدم التمرد عليها تدينا تأسيسا لعقيدة المساكين والمدجنين. فالمدجن لا يقبل النقد ولا الفشل كأمر واقع، ولا يستطيع الاعتراف بمسؤوليته المباشرة في ما حل به، أنه إما أن يهرب من الواقع إلى الميثولوجيا، أو يلقى اللوم على أعداء دينه، أو يوهم نفسه بأن الأمر عابر إن مع العسر يسرا، أو يستجيب بالعنفوان بمنطق علي وعلى أعدائي.. عجلت إليك ربي لترضى!!

واللافت للنظر أن انتشار سوق الميثولوجيا وتكاثر دعاة المخزن وزيادة حجم المدجنين عادة ما يكون في مناطق الاستبداد والجهل والحرمان وسيطرة المنهج التمجيدي والعقل التجبيسي، حيث يتضخم الاحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة، ويصبح إلتماس النتائج من غير أسبابها، واستبدال السببية المادية بالسببية الغيبية منطق الجاهل والمتعلم على حد سواء !!

ويبدو أن حالة انعدام الحريات والأمن الفردي والفكري والاقتصادي هو ما يجعل فرصة انتشار دعاة المخزن أكبر وأكثر طالما أن الضمانات مفقودة والحريات منعدمة، والأفق مسدود، وبالتالي يصبح قبول طرح دعاة المخزن الميثولوجي منطقي من حيث تفسير الواقع ورسم المستقبل من خلال أحاديث الملاحم والفتن ورؤى ومنامات الاسلاف.

وهكذا تبدو خطورة رجال المخزن في تدجين الاتباع برسم المصير والمستقبل، والرضى بالقهر والتخلف، وقبول الاستبداد وكبت الحريات لدرجة الموت في سبيله تدينا، وذلك من خلال حزمة من الاسانيد تأمر بالسمع والطاعة لولاية المتغلب وأن جلد ظهرك وأخذ مالك…فيكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده…. فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله…. من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية.

كذلك من خلال أحاديث المهدى المنتظر التي تدعو الناس إلى ترقب خروجه بعد انتشار الظلم والفساد ليملأ الارض عدلا وقسطا( المهدي مني اجلى الجبهة اقنى الانف يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين )) لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله رجلا من اهل بيتي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا( ) لا تذهب او لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (( لا تقوم الساعة حتى تمتلا الارض ظلما وعدوانا قال : ثم يخرج رجل من عترتي او من اهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا ) الصبر على الظلم وانتظار م

المزيد


المخزن حي لا يموت !!

ديسمبر 22nd, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

الاستعارات المخزنية التي نحيا بها

 

لقد أولت الكتابة الصحفية في السنوات الأخيرة اهتماما ملفتا في تشريح وتبسيط مفهوم" المخزن" من خلال مقالات وحوارات وتصريحات متنوعة، وقد سعت بعض الأقلام إلى مناقشة المفهوم نقاشا علميا يستحضر التاريخ والسوسيولوجيا والأنثربولوجيا، فيما وقف البعض عند تسجيل موقف سياسي انطلاقا من الموقع السياسي والأيديولوجي لتبرير هذا الموقف أو ذاك تجاه السلطة حين تتعارض المصالح.

الملاحَظ أن مفهوم المخزن لا زال يعرف التباسا عند الكثير من الناس، ومرد هذا الالتباس أن حضور دلالته تقف عند حدود المعنى القدحي للكلمة سواء عند حاشية النظام السياسي أو لدى المعارضين، ولذلك لن تجد من يقول أنا مثقف مخزني أو سياسي مخزني أو فقيه مخزني أو مؤرخ مخزني أو إسلامي مخزني.. على غرار ما نجده في الكتابات التاريخية المغربية،بل قد تجد من يقول بأنه حزب الملك، فيصفه خصمه بالمخزني. فينزعج هذا الحزب ومريديه. والسبب يعود إلى الالتباس الدلالي للكلمة كما أسلفنا، لأن المخزن برأي البعض قد مات مع خروج الاستعمار ونيل الاستقلال، أو أن المخزن مات بموت المعارضة اليسارية الحزبية التقليدية التي نشأت على هامش الحركة الوطنية كما صرح ذات يوم الحاج محمد اليازغي. وربما تصريح السيد اليازغي كان يختزل مفهوم المخزن في إدريس البصري الذي قال ذات يوم: "أنا هو المخزن" أو ربما يستضمر تبريرا للمآل الذي بلغه رفاق المهدي بن بركة صاحب وثيقة الاختيار الثوري.

إن الاستعمار لم يقض على المخزن كما يزعم البعض، بل إن الاستعمار رعى المخزن وتبثه وقواه من خلال القواد والأعيان والشرفاء ورجال العسكر ( حصلت على وثيقة جد خطيرة فيها بيعة لابن عرفة من قياد واعيان وشرفاء لمنطقة(…) وهؤلاء لا يزالون يمارسون سلطتهم وتجبرهم إلى حدود كتابة هذا النص في إطار نظيمة المخزن المعاصر)، كما أن المخزن لا يزال مستمرا وحاضرا بقوة، ويكفي أن تعود للكتابات المغربية التي عالجت الموضوع بشكل علمي، أقول الكتابات المغربية وليس كتابات الباحثين الأجانب الذين يبنون أحكامهم على أساس ملاحظات "تجريبية" تستمد معطياتها من مجريات الأمور في الحاضر، لأن الأجانب غالبا ما يعرضون عن التحليل التاريخي، ولذلك لا يقدمون تفسيرا بل ينهمكون في استقراء ما يحدث بهدف التعرف على ما قد تؤول إليه الأمور في المستقبل. أما الكتابات المغربية من أمثال عبد الله حمودي وعبد الله العروي ومحمد الطوزي ومحمد الناجي ونورالدين الزاهي وهند عروب وعبد الرحيم العطري..الخ، تبقى محاولات جادة في سبيل تقريب المفهوم بشكل علمي إلى أذهان المتلقي ومقاومة التشويش على مستوى التحديد الدلالي الذي يتسم به مفهوم المخزن كما نجد عند البعض حين يحصر المخزن في:

  • المؤسسة الملكية.
  • الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.
  • الممارسات التعسفية للسلطة بشكل عام.
  • الطقوس البروتوكولية الموروثة.

 قد تكون هذه التعريفات تكتسي جانبا من الصحة. أو قل تعريف جزئي المخزن، غير أن المخزن كما أراه يتعدى هذا التحديد الجزئي إلى تحديد أشمل : المخزن هو ثقافة مغربية ضاربة جذورها في عمق التاريخ وحاضرة بقوة في المجال التداولي المغربي، حاضرة عند السلطة كما هي حاضرة أيضا عند المعارضة، المخزن حاضر في التنظيمات السياسية وفي ما يسمى بالمجتمع المدني، فظاهرة الزعيم الخالد والقائد الضرورة هي ثقافة موجودة في كل التشكيلات السياسية والمجتمعية، بل قد تجد أن المخزن "أرحم" من بعض التنظيمات التي تظاهر أنها تحارب المخزن، غير أنك إذا كنت تفهم لعبة المخزن، وتفقه ثقافة المخزن من جذورها، لا شك انك واجد أن هذا التنظيم أو تلك الجمعية من "ممثلي الشعب" تحارب المخزن بأدوات مخزنية صدئة ومسمومة تقدم لك السم في الدسم، لذلك هناك – حسب رأيي- مخزنان وليس " مخزن" واحد كما وقر في الأذهان، هناك مخزن رسمي وهناك مخزن معارض. ومن أراد أن يعيش خارج سرب المخزن سواء كان رسميا أو معارضا فهو لا شك سيعيش في أدغال "السيبة"، ومن رضي بهذا الموقع سيصنف من الخوارج الجدد. وهنا سيحتمي أبوك بالنصوص ليدخل اللصوص. سيكون "الشرع" سلاحا للمعارضة كما وقع للاتحاد الاشتراكي حين عارض الاستفتاء حول أقاليمنا الجنوبية بشهادة التاريخ والجغرافيا وحتى الشرع. وها نحن أحيانا الله إلى أن رأينا أن نظرة "الخوارج" كانت صحيحة المائة في المائة!! 

 لا أريد أن أسترسل في الموضوع لإعطاء بعض الأمثلة لضيق المجال، وإنما حسبي أن أعرض تعريفا جديدا للمخزن كثقافة يعتاش من استعارات حاملة لقيم وجدانية يحفل بها الخطاب الإعلامي الرسمي، ألمع إليها أستاذنا الدكتور محمد العمري في آخر كتبه "منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين: عوائق الحداثة في المغرب" منشورات جمعية وادي الحجاج للثقافة والتنمية، ورزازات، الطبعة الأولى، 2009. 

 المعجم السياسي للمخزن الرسمي : 

أنتج المخزن الرسمي مجموعة من الاستعارات عبر خطابات رسمية، وهي استعارات تجسد التبعية بين الحاكم والمحكوم، بين الذات والموضوع، نحاول أن نعرض لبعضها – حسب نظرة المفكر البلاغي لمفهوم المخزن- في الكتاب المذكور سالفا، ص ص : 113- 121

1.     المخزن: الضرب، ثم الجمع والقسمة:

المخزن في اللغة: المستودع، أي مكان الخزن. وقد أطلق في بداية الأمر على البنايات التي تو

المزيد


الشجاعة هي قوة الإرادة

ديسمبر 6th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , فكر و فلسفة

 
anfasse.org"إن من يثبت وسط الأخطار ويتصرف حيالها كما يجب لهو أشجع بحق ممن يسلك بثبات في الأوضاع المطمئنة."[1]
لا يمكن الحديث عن الفلسفة إذا ما أهملت الشجاعة لاسيما وأن أهم فضيلة ينبغي أن يتحلى بها الفيلسوف هي أن يكون شجاعا ، وطالما أن هذه  الهيئة الأخلاقية هي من الأمور صعبة التحقيق وترتبط بالمشقة والمكابدة ولذلك ظلت موضع مدح وتعظيم، وقد وضعت الشجاعة منذ القدم جنبا إلى جنب مع الحكمة والعفة والعدالة ولكنها في الفترة الحديثة أصبحت مقترنة بالإرادة والحرية والقوة تقاوم إغراء اللذة وتتغلب على كل تخوف من الألم.
إن أهم مبرر يدعونا إلى الاهتمام بمسألة الشجاعة هو ما نشاهده اليوم بأم أعيننا من استيلاء الكسل والجبن على النفوس وتعمد اختيار القعود والانتظار على الحركة والنشاط وبروز ضعف الشخصية وانحطاط مستوى الارتقاء لدى الأفراد والوقوع فريسة الاستلاب والسعادة الوهمية وفقدان القيمة الذاتية عند كل فرد وتفضيل العيش مع الحشود رغم ما يسببه ذلك من امتثالية للسائد ورضوخ للعادة والاقتناع بحياة القطيع.
إن الشجاعة هي الثبات عند كل خطر وضبط النفس أثناء مواجهة كل محنة وذلك بالانتصار على الخوف واعتماد الجسارة والإقدام والتحلي بقوة الشكيمة ورباطة الجأش والصبر على وقوع الشر وحضور الذهن عند الشدائد وذهاب التشتت عن العقل وحضور التركيز والحصافة والكيس والفطنة في كل موقف عصيب والقدرة على احتمال النوائب وتقلبات الدهر.إن الموقف الشجاع  هو الموقف النقدي الذي يحتكم إليه المرء عند المحاسبة والمراقبة وقول الحق والشهادة على العصر وهو كذلك ما يميز الإنسان وتعوز الحيوان لارتباطها بالقوة الغضبية والإرادة العاقلة التي تجعلها تقاوم الميول.
" إن كثيرا من الأعمال اليومية يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة الجنود"[2]وإن الشجاعة ترتبط بالسلوك اليومي للبشر وتتنزل مكانة مرموقة في سلم القيم وهي كذلك مبدأ يتقمصه الفرد بشكل منعزل وتؤمن به المجموعات وتسطر على ضوئه طباعها ومزاجها، وعلاوة على ذلك هي مناخ عام يتنفسه الناس في لحظات المنعطفات والتحولات الكبرى التي تمر بها الشعوب وقد تتحول إلى عقيدة مشتركة ورأي جماعي في لحظات المواجهة والتحدي وترتبط بالعزيمة والإرادة. وربما الشعب الفاقد للشجاعة هو الشعب الذي له إرادة ضعيفة أو تكون إرادته سيئة وشريرة وتتغلب عليه انفعالات الجبن والتملق، أما الشعب الشجاع فهو الشعب المغامر الذي يحبذ أفراده التجول والسفر ويهيمن على الطبيعة ويحل مشاكله مع العالم. ولكن يمكن أن نميز بين الشجاعة البدنية والشجاعة الأدبية حيث تتساوى شجاعة الكتاب والعلماء مع شجاعة المحاربين والسياسيين.

إن اللافت للنظر أن الشجاعة تفيد أيضا قوة الإرادة وإرادة القوة التي تنفذ موضوع تصميمها مهما كانت الضغوطات والموانع وتسعي لبلوغ الأهداف القصية والمرامي البعيدة.وتتكون الشجاعة من جملة من العناصر الطبيعية والملكات الروحية والأفعال الإرادية وتسعى إلى التوافق مع نظام الكون وماهية الإنسان وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في المقابسات أن "الشجاعة قوة مركبة من العز والغضب تدعو إلى شهوة الانتقام. الجبن ضده"، لكن الحقيقة تبعد الشجاعة عن مثل هذه الانفعالات الدونية لأنها تأتي في مرتبة ثانية بعد الحكمة وتكون بجوار الحنكة وصواب الرأي وتمر بثلاثة مراحل تبدأ بالسرية ثم تعلن عن نفسها وتجهر بنضالها لتسمو في مرحلة ثالثة في مستوى الضمير أين ينحل التقابل بين الذاتي والموضوعي.
 من البين أن الشجاعة هي وسط عادل بين رذيلتين هما الجبن والتهور لاسيما وان الإفراط فيها يؤدي المغامرة والمقامرة والمهلك والتفريط فيها يؤدي إلى خلاف ذلك أي إلى الاستكانة والرضا بالذل وحياة الخضوع ولذلك ترتبط الشجاعة بالثقة والخشية في نفس الوقت، الثقة بالذات والخشية من الآخرين وقراءة ألف حساب لهم وعدم استسهالهم والاستهانة بهم. إن الغاية من الشجاعة ليس تحصيل المنفعة المادية وإنما نيل الشرف والمجد ولذلك كانت الشجاعة من الأمور المرغوب فيها ولم تكن من الأمور المتروكة. وقد قال أرسطو:"إن الشجاع يتحمل الآلام لأنه من النبل أن يتصرف على هذا النحو ومن المخجل له أن يتنصل منها وذلك شأن الملاكم الذي يتحمل اللكمات على أمل الفوز بالتاج"[3].
الشخص الشجاع يثورعلى الجبن ويجعل الحياة موضع رهان فإذا كان الجبان يفضل المحافظة على البقاء حتى في ظل العبودية فإن الشجاع يفضل الذكر الحسن على البقاء ويغالب التوجس ويواجه المصاعب بكل اقتدار. ومن المعلوم أن العالم لن ينقذه من بؤسه الجبناء المترددين بل الأشخاص الأحرار الذين لا يخضعون إلا لأنفسهم. وقد رأى أرسطو: أن الشجاعة لا تتمثل في قول ما نعتقده بل في الاعتقاد في ما نقول ويقصد أنها ترتبط بالصدق والانتماء إلى الحقيقة  والوفاء للمبدأ وانجاز العهود والالتزام بالمواثيق.
إن الشجاعة تعقل وجودة روية والتزام بطريق الفضيلة و"الاجتماع على الفضيلة لا يقع

المزيد


أصول التوريث السياسي العربي

ديسمبر 3rd, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

لعل لقب الحاكم هو الصفة السياسية التي تليق بالقادة العرب، باعتبار أن تصنيفات الأنظمة السياسية، التي أتعبت منظري الفكر السياسي منذ أرسطو إلى جورج بوردو، لا تعني شيئا لهؤلاء الزعماء طالما أن أنظمتهم تشترك في كل الصفات بما في ذلك التوريث السياسي بصرف النظر عن التسمية الرسمية لشكل السلطة.
لقد كان معاوية بن أبي سفيان بن حرب هو عراب التوريث السياسي، ومذاك صارت الأمور على هذه الشاكلة ودرجت على هذا المنوال إلى يومنا هذا في قرننا هذا دون أن تجد لها تبديلا.
لقد توافرت لمعاوية صفات وشروط جعلته يصل في مسيرته السياسية إلى محطة التوريث، ولا شك أن بعض هذه الصفات والشروط هي نفسها التي تمكن الحكام العرب من الاستمرارية ومن توريث عقبهم دون خشية من محكوميهم.
لم تكن المعايير السياسية النظرية السائدة في عصر معاوية تؤهله، من حيث المبدأ، لأن يكون الخليفة الخامس. إن هذه الصفة، أي انتفاء المعايير السياسية نظريا للوصول إلى الحكم، يشاركه فيها الكثير من الحكام العرب الذين ارتقوا سدة الحكم بفضل ظروف عرضية لم تكن داخلة في السياق المنطقي لمسار الأحداث السياسية في زمن الحدث.
كان معاوية بن أبى سفيان شيخ مشايخ بنى أمية، ولكنه كان أيضا الخليفة الخامس في دولة كانت تسير بخطى حثيثة على طريق إمبراطورية عملاقة لا يزال يفاخر بها الكثيرون في هذا الزمن، وهذه قطعا صفة لا يدانيه فيها خلفاؤه من الحكام المعاصرين.
إن أهم ما يجمع هؤلاء بمعاوية حجتان سياسيتان ظلتا تبرران الاستمرار في السلطة والتوريث السياسي أيضا، وهما المتمثلتان في حجتي الفراغ السياسي والخوف من الفتنة، فبعد اختفاء علي بن أبى طالب (رضي الله عنه) عن مسرح الصراع قدم معاوية نفسه خليفة بديلا عن استمرار الفتنة، فقبلت الأغلبية هذا العرض عملا بقول بعض الفقهاء «ملك غشوم ولا فتنة تدوم»، فكان عام الجماعة الذي توصل فيه الفرقاء المتصارعون إلى اتفاق يضمن الخلافة لمعاوية حتى نهاية حياته.
كان اتفاق عام الجماعة اتفاقا بين أطراف متصارعة أرادت أن تعيد السيوف إلى أغمادها بعد صراع استحل فيه بعضهم دماء بعض، ولم يكن فيه معاوية هو القوي الوحيد وإن كان أقواهم، ولم يكن الاتفاق على القبول بتولية معاوية مبعثه فقط الخشية من قوة معاوية، بل كان أيضا وراءه سبب بالغ الأهمية في نظرهم، وهو الخوف من الفتنة واستمرار الصراع في دولة وإن بدت آفاق المستقبل مفتوحة أمامها فقد كانت ما تزال هشة بسبب عدم وجود سلطة مركزية.
إذن، كانت الخطوة الأخيرة في مسيرة معاوية إلى السلطة متوجة باتفاق الجماعة التي كانت تضم أطرافا قوية كان بإمكانها أن تستمر في الصراع معه إذا ما وضعت مصلحة الأمة خلف ظهورها. وفي هذه النقطة خاصة، لا يتشابه وصول معاوية إلى السلطة مع وصول خلفائه المعاصرين، فهؤلاء ليسوا في مواجهة تلك الجماعة القوية التي كان شيخ بني أمية يداورها ويناورها ولا يقطع الشعرة معها، بل قطعان من البشر فاقدة لروح ا

المزيد


هرمينوطيقا الذات

نوفمبر 25th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , فكر و فلسفة

 
ANFASSE"من أول ثقافة العصور القديمة الى آخرها من السهل أن نجد شهادات على الأهمية المعطاة ل"لانهمام بالذات"وربطها بموضوع معرفة الذات." ميشيل فوكو، درس هرمينوطيقا الذات.
استهلال:
لقد اعتقدت الفلسفة لفترة طويلة أن جوهر الإنسان هو نفس ناطقة وأن التفكير والإرادة والحرية هي  أفعال للنفس تتعالى بها على الجسد وتتحكم عن طريقها في الانفعالات وفي أفعال الانسان وأقواله وقد تصورت أن الفكر الواعي هو كل الفكر وأن الذات العارفة هي كل الذات لاسيما وأن الحواس تخدع المرء والغرائز مثلت عقبة أمام اختيار الفعل الارادي الحر وأن الجنون عدو العقل والخيال كله أباطيل وتحريف للحقائق.
 ولقد تعززت مثل هذه الاعتقادات عندما ركزت الفلسفة الحديثة  نفسها على أرضية ميتافيزيقية صلبة وشكلت صورة دغمائية للفكر تؤمن ببداهة الكوجيتو وصدقية الضمان الإلهي وأخلاقية العقل واستقامة الإرادة وتحمل كل كائن المسؤولية الوجودية وتعتبر مشروع اثبات الانية أمرا ممكنا عن طريق المعرفة.
 لكن مع ظهور فلسفة الرجة  وصعود أسهم كاشفي الأقنعة وأقطاب الظنة خاصة مع جنيالوجيا نيتشه والاقتصاد السياسي عند ماركس وعلم التحليل النفسي عند فرويد بدأت الحقيقة تظهر ووقع اكتشاف "مشكل زيف الوعي والوعي باعتباره زيفا" واتضح أن علاقة الانية بالغيرية هي غامضة غموض العلاقة بين الوجود واللاوجود. على هذا النحو تبين أن الوعي لا يمثل إلا القشرة الظاهرية من الشخصية الإنسانية وأن الذات ليست قط من يفعل بل هي وهم خالص وعالمها الباطني مليء بالسراب وبالأنوار الخادعة والأنا أصبح مجرد خرافة ووهما وتلاعبا بالألفاظ وأن الوعي بالحرية يخفي اللاوعي بالتبعية وأن الإنسان ربما لا يكون مسؤولا عن أفعاله طالما أنه مضطهد من قبل أسياد ثلاثة هي متطلبات الواقع الخارجي ورغبات الهُوَ وأوامر الأنا الأعلى وطالما تتنازعه رغبتان متناقضتان الأولى هي التناتوس وتجعله يريد العدم ويحبذ الفناء والثانية هي الايروس وتجعله يريد الوجود ويقبل على الحياة.
 بيد أن الأسئلة التي تطرح الآن وهنا هي : ما المقصود بالأنا؟ كيف تم اكتشاف الذات؟ ما الفرق بين الذات والأنا؟ وما المقصود بالذات الواعية بجميع جوانب وجودها؟ كيف كانت حال الذات بعد ظهور فلسفة الرجة؟ وماهي البراهين التي قدمها كاشفو الأقنعة لثبتوا تبعية الذات وتشققها؟ وما مكانة الوعي على إثر هذا الاكتشاف؟ هل أرست مدرسة الارتياب ثورة في مستوى تعريف كينونة الإنسان؟ ماذا يصنع المرء بنفسه؟ ولأي عمل يخضع نفسه؟ كيف يحكم على أعمال يقوم بها بنفسه ويكون فيها هدفا ومجالا وأداة ؟ ماهو دور الوسيط اللغوي في اكتشاف المرء لنفسه؟ وكيف تكون اللغة هي اطار تحقق الذاتية؟
تتمثل خطة هذا العمل في تقسيم مسيرة التفكير في هذه الإشكالية إلى ثلاثة لحظات:
- لحظة مواجهة الذات لذاتها: حيث الذات تجوهرت بالتخلص من كيفياتها وجعلت هويتها تتشكل عن طريق التطابق مع الأنا الواعي وتتميز عن العالم بالتعالي عليه والنظر إليه من موقع منفصل.
- لحظة مواجهة الذات مع العالم:حيث الذات لم تعد الأنا أفكر بل انخرطت في العالم عن التجربة المعيشة وصارت تعرف بالفعل حيث تفتح نوافذها وأبوابها على التاريخ والاقتصاد والحياة العضوية .
- لحظة مواجهة الذات للآخر عن طريق الوسيط اللغوي وحيث "الذات ليست في مواجهة ذاتها المتماهية فحسب بل هي أيضا في مواجهة الغير ولا تكتمل  كينونتها إلا في ضوء العلاقة مع الغيرية".
ما نراهن عليه هو تفادي أن تكون نظرة الإنسان إلى نفسه واضحة وبديهية وأن الذات قادرة على معرفة ذاتها منذ البدء والانتباه إلى غموض الكينونة البشرية وحاجتها إلى وساطة الرموز والثقافة والنصوص من أجل الاعتبار والتدرب وإعادة هيكلة ذاتها.
الكوجيتو المُثبَت:
" أنا موجود الآن وأعرف أنني لست سبب وجودي ولا سبب بقائي في الوجود وانتقالي من لحظة حاضرة إلى لحظة موالية ينبغي أن يكون له سبب وهذا هو الكائن القادر على إيجادي وحفظي." ديكارت
ما من شك أن الوعي له قيمة في حياة الإنسان لأنه يرتقي به فوق مرتبة الحيوان ويحقق إنسانيته وحريته ولكن ما من شك أيضا أن ماهية الإنسان نفسها في حاجة إلى الوعي بها والى تقصي حقيقتها وفهم جوهرها ومكوناتها والإحاطة بأعراضها وتتبع أقوالها وأفكارها وأفعالها. لكن إذا حاولنا انجاز رحلة الوعي الانساني فإننا نواجه صعوبات جمة وتثار أمامنا عدة مفارقات من جهة الذات وعلاقتها بالعالم وبالآخر. أولا  ينبغي أن نلاحظ أن علاقة الإنسان بالعالم يسودها التعقد والتشابك وتقتضي الفهم والتدبر خاصة وأن الإنسان ابن الطبيعة الثائر يوجد في الكون وفي مخيلته تصورا لعالم آخر. ثانيا تتميز العلاقة بين الأنا والآخر بالتوتر والتصادم والمراوحة بين الاطمئنان من المثيل والشبيه والنفور من الغريب والمغاير وبين تقديس قيمة الصداقة والتعايش والانخراط في العداوة وكراهية الآخر. من ناحية ثالثة يتبين أن الإنسان نفسه كائن ملتبس يعيش المفارقة بين أن يكون لذاته وأن يكون لغيره وبين أن يوجد مثل بقية الموجودات وبين أن يستقل بنفسه ويرتقي في سلم الوجود نحو الأفضل. ومثلما صرح ريكور نقلا عن باسكال :"إن الإنسان هو كائن بسيط في حيويته معقد في إنسانيته" .
يعيش الإنسان التناقض الواضح للعيان بين انتمائه إلى مملكة الطبيعة وما يترتب عنه من خضوع لمنطق الضرورة وتقيد بقانون الغريزة والحاجة وانتمائه من جهة ثانية إلى مملكة الثقافة والروح وما يترتب عنه من إحساسه بالحرية والكرامة والطموح نحو تجاوز كل المضيقات والتحديدات وكما يقول التوحيدي:" فهو يقاد بالطبيعة إلى الموت وبالعقل إلى الحياة". إن حل هذه الصعوبات اقتضى حسم الموقف النظري وانتهاء إلى تعريف الإنسان على أنه كمائن الوعي وأن الوعي هو الإدراك العقلي وأن جوهر الإنسان هو النفس وأن الذات هي الأنا العارفة ولتهيئة هذه الأرضية انتهجت الفلسفة منهج التعالي عن الجسد والانغلاق عن العالم وإقصاء الآخر والنظر إليه كمثيل.
هكذا تقوم جوهرية الأنا على الوعي ويقوم الوعي على فهم النفس لنفسها بمعزل عن الحواس والخيال والنفس مرادفة للروح وهي جوهر وقوة ومصدر وعي الإنسان بانيته أما  الوعي فيقيد لغة الاستيعاب والامتلاء والحضور التام للذات لدى ذاتها واصطلاحا يعني الإدراك والمعرفة والتطابق التام بين الذات وذاتها وبين العقل والوجود. وقد عبر ديكارت عن هذا الموقف الفلسفي بقوله:"إنني جوهر كل ماهيته أو طبيعته لا تقوم إلا على الفكر" وكان الكندي قد انطلق من قاعدة فلسفية هامة في النظر إلى الإنسان تتمثل في ما يلي:"إنا نحن ما نحن بأنفسنا لا بأجسامنا وأنفسنا ذاتية لنا أما أجسامنا فآلات لأنفسنا".
 إن الموقف النظري الذي تدور حوله الذات المتعالية هو الكوجيتو المبجل الذي يشدد على الذات وقدرتها على تأسيس ذاتها بذاتها بالاستناد إلى يقينية مطلقة وتعظيم الأنا إلى أقصى الدرجات والادعاء بأنه مصدر الحقيقة واليقين ويصلح لكي يكون مبدأ أول في الفلسفة انتصر في معركته على الطبيعة ويقوم بتفسير العالم وتمثل المواضيع الخارجية في شكل صورة ذهنية. حول هذا الأمر يقول ريكور:" والحقيقة هي أن هذا الطموح في التأسيس النهائي قد تثبت بطريقة جذرية من ديكارت إلى كانط ثم من كانط إلى فيخته وأخيرا مع هوسرل في كتابه التأملات الديكارتية ".
 لكن هذا الإقرار الفلسفي يؤدي الى اثبات الانية عن طرق الكوجيتو والى القول بأن الأنا هو الذات وان الوعي هو كل الذات وأن الذات واعية بجميع جوانب وجودها وأن الوعي واضح بما فيه الكفاية وقادر على  بلوغ درجة مطلق فيه المثير من الغرور والادعاء. لكن ماهو موضوع الوعي؟ وكيف يتصرف عندما يكون بحضرة الآخر؟ وماهو دور الجسد في تجربة الوجود في العالم؟ وما العمل لو بين العلم أن ما يبطنه المرء هو أكثر مما يظهره؟ كيف كان هيجل هو أول فيلسوف غربي ميز بين الأنا والذات؟
2- الكوجيتو المتصدع:
"كيف قامت الذات في لحظات مختلفة وفي سياقات مؤسسية مختلفة كموضوع ممكن للمعرفة مرغوب فيه بل وضروري؟ "
يرى الفكر الفلسفي أن هناك تعارض بين مفهومي الوعي واللاوعي طالما أن الوعي هو الحضور التام لذات لدى ذاتها أي المعرفة المباشرة للفكر بحالاته وأفعاله واللاوعي يمثل الجانب اللاشعوري الليلي للشخصية الإنسانية غير أن المزية الكبرى التي قدمتها فلسفة الرجة هي البرهنة العملية على صحة فرضية اللاشعور إذ من الحمق أن يواصل الإنسان المعاصر حسب ما بين نيتشه العيش داخل أسطورة أنشأها هو بنفسه فالوعي أسطورة ينتجها الفرد للمحافظة على حياته وقيمة أخلاقية تهدف غلى تقليص إرادة الحياة وتعمل على حفظ الرغبة وتعليبها تطمس وتتنكر للجسد وتخفي شيئا أكثر أصالة منها هي الرغبة بهذا المنى ليس سوى وهما يطفو على السطح أي مجرد مقولة لغوية سطحية تخفي شيئا أكثر جوهرية منها وهو الجسد وإن الأنا مشروطة بالجسد وبالإرادة الحية والعقل لا يعدو أن يكون سوى وسيلة الفرد إلى البقاء أي أداة للمحافظة على الإستمرار في الحياة وسلاح البشر الأقل صلابة فالذات تطور قواها الرئيسية عبر الإخفاء والتمويه والمراوغة وتتحول من ذات مريدة وسيدة إلى ذات مغلولة مشتته لا وحدة فيها ،فماهي القيود التي تتحكم في الذات حسب فرويد ؟ وكيف يبين هذا الأخير أن الأنا ليس سيدا حتى في بيته؟
إننا مع فرويد نرصد شيئا لا مرئيا نتابعه من خلال آثاره وهو اللاشعور إذ إن التحليل النفسي الذي أسسه فرويد ليس علما فقط أو نظرية حول الطفولة والمرض العقلي بل نظرية شاملة حول الإنسان تثبت وجود معنى لاواعي لكلام الفرد ويخضع الإنسان لرغبات يعسر كبحها وبتبعية الإنسان لطفولته وبتلازم العقل مع الجنون ونقر بأن معطيات الشعور تتخللها ثغرات وهفوات وبأن اللاشعور هو رغبات مكبوتة ومدفونة في أعماق سراديب الذات بنيته تتكون من وحدات ثلاث : الأنا-الأنا الأعلى- والهو وترزح تحت وطأة أسياد ثلاث وهم الأنا الأعلى والهو والواقع الخارجي يعمل الأنا على إرضائهم جميعا والتوفيق بين مطالبهم لكنه لا يستطيع فيلجأ إلى الإخفاء والمراوغة وال

المزيد


الطغيان السياسي وجذور الاستبداد

نوفمبر 24th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

<!–Rating: 4.8 / 5 | Rate this article | More from same author |–>

يقول جون لوك (( ليس للطغيان صورة واحدة .. فمتى استغلت السلطة لإرهاق الشعب وإفقاره تحولت الى طغيان أياً كانت صورته)) جون لوك في الحكم المدني ، فقرة (521) فالطغيان هو صورة يتقمصها الطغاة ويستمدوها من ورود الاستبداد في المجتمعات وبالتالي يكون للاستبداد الدورالأكبر لممارسة الطغاة طغيانهم على المجتمعات حيث يوفر البيئة الكاملة للطغاة لطغيانهم و في ذلك يقول افلاطون في (الجمهورية الفاضلة 466 ) ( من يقتل الناس ظلماً وعدواناً ويذق بلسان وفم دنيسين بدماء أهله ويشردهم ويقتلهم فمن المحتم أن ينتهي به الأمر الى أن يصبح طاغية ويتحول الى ذئب)) ومن هنا ينطلق أفلاطون من تجربته المباشرة مع الطغاة وذلك لأن شخصية ديوتسيوس كانت شهيرة وبارزة في عالم أفلاطون من ناحية ولاية هذه الشخصية ومن ناحية أخرى هي التي أثرت في تكوين آراء الفلاسفة عن الطغيان خلال القرن الرابع قبل الميلاد:
(( The Great Tyrants P. 8 Hutch in son s University Library))
ومن هنا لم يكن أفلاطون صاحب أول نظرية فلسفية حول الطغيان السياسي فحسب بل كان كذلك أول فيلسوف يلتقي بالطاغية وجهاً لوجه ويخبره بنفسه خبرة عملية قبل أن يضع فيه نظريته الفلسفية كما أنه خبر عن طغيان العامة)) أو ما يسميه هو بالنظام الديمقراطي ونسميه نحن الآن بالفوضوية أو الديماجوجية وليس الديمقراطية الحقة فالديمقراطية اليونانية التي عاصرها أفلاطون هي التي حكمت على استاذه سقراط بالموت عام 399 ق.م فهو من هذه الزاوية أيضاً يتحدث عن نوعين من الطغيان السياسي خبرهما بنفسه ولهذا فإننا نستطيع أن نتحدث عن خبرته عنهما ولو دخلنا في موجز بسيط عن هذه الخبرة كي نستطيع بعدها أن نؤطر الحاضر الحقيقي والحي ومحاولة الطغاة فقد ضاقت نفس أفلاطون بالحياة في أثينا بعد أن نفذت الديمقراطية حكم الاعدام في سقراط فهجرها وقام بالكثير من الرحلات زار خلالها ميجارا لكنه لم يبق طويلاً ولكن خبرة أفلاطون الحقيقية عن الطغيان جاءته بعد أن ترك مصر متوجهاً الى تارنت في جنوب إيطاليا حيث أرسل له اعتى طغاة الشرق ( ديوتسيوس) الأول (( طاغية سيراقوصة الشهير يدعوه لزيارته زاعماً أنه أوتي ذوقاً أدبياً وحساً فلسفياً (( ويبدو أن ديونسيوس كان كاتباً تراجيدياً على ما يروي بعض المؤرخين M. Lately: Op. cit, P173
ويقول ديورانت عن هذا الطاغية (( إنه كان رجلاً واسع الثقافة وكان شاعراً والسؤال لماذا أرسل هذا الطاغية على الفيلسوف أفلاطون والإجابة على الأرجح أن الطغاة كانوا على مدار التاريخ يفاخرون بوجود الفلاسفة والعلماء والشعراء والادباء في بلاطهم ذلك لأن الطغاة يعرفون بصفة عامة أنهم لن ينالوا الشهرة إلا على يد هؤلاء فجيلون طاغية صقلية كان راعياً للفنون والآداب كما كان راعياً للشاعر بندار ((518 – 438) ق. م أعظم الشعراء الغنائيين عند اليونان وكان طاغية أثينا بيزستراتوس هو الذي أسس احتفالات ديونسيوس التي مهدت الطريق أمام التراجيديا الاثينية وهو الذي قدم للبشر النص المنقح من هوميروس فأصبحت الانسانية مدينة له الى الأبد وهذا يعرف الطغاة أن شهرتهم تعتمد على الكتاب والادباء والشعراء والمؤلفين ورجال الفن عموماً وهؤلاء على إستعداد في الأعم الأغلب للقيام بدورهم في حياة الطغاة لكن إذا ماتوا أو فقدوا سلطانهم انهالوا عليهم بالمعاول بالقوة نفسها التي كانوا يمتدحونهم وربما أشد قوة. إن أسوء النظم جميعاً وأشدها فساداً ألا وهو الطغيان فكيف صنف أفلاطون هذه النظم؟ يرى أفلاطون إن النظم السياسية كلها يمكن أن تختصر في خمسة أشكال أساسية هي على النحو التالي:-
1- النظام الارستقراطي : Aristocracy وهو أفضل أنواع الحكم لدى أفلاطون وهو حكم القلة الفاضلة ويتجة نحو الخير مباشرة ومن ثم فهو نظام الحكم الصادق.
2- الحكم التيموقراطي Tymocracy :-, وهو الحكم الذي يسوده طابع الطموح من محبي الشرف أو الطامحين الى المجد الذين تكون وجهتهم السمو والتفوق والغلبة..
3- الحكم الاوليجاري: Oligarchy :- وهو حكومة القلة الغنية حيث يكون للثروة مكانة رفيعة.
4- الديموقراطية: Democracy التي هي حكم الشعب حيث تقدر الحرية تقديراً عالياً .
5- حكومة الطغيان : Tyranny: وهي حكومة الفرد الظالم أو الحكم الجائر حيث يسود الظلم الكامل بغير خجل أو حياء وهذا الترتيب الذي نذكره لدى أفلاطون إنما هو ترتيب تاريخي وما نزال نعيش كيفياته في الواقع المعاصر حيث نظم الطغيان إلى فترة قصيرة كانت تعيش بلادنا هذا النظام والذي تحول الى النظام الديمقراطي والذي نأمل أن تسوده اللبرالية العادلة في الوقت القريب وحقيقة الفلسفة الافلاطونية التي ما نزال نعيش بعض اكنافها داخل مجتمعاتنا فمثلاً يقابل أفلاطون رجالات بصفات معينة مع أنواع الحكم الموجودة فنقول على سبيل المثال: الرجل الطوح الى المجد يقابل الحكم التيموقراطي والتميز الذي ظل سائداً في علم السياسة بين الشخصية السلطوية والشخصية الديمقراطية يقابل المجتمعات المتسلطة والمجتمعات الديمقراطية كذلك يقابل سقراط بين النفس الملكية أو الارستقراطية أو التيموقراطية أو نفسية الطاغية وبين أنظمة الحكم المتماثلة أهتم أفلاطون بدراسة هذه النظم التي سادت عصره ووجدها تنهار الواحدة بعد الأخرى فحاول أن يضع نظاماً لتعاقبها كيف ينتقل الواحد منها الى الآخر ويذكر في هذا المجال إنه حتى الديمقراطية تدمر نفسها بنفسها عندما تصل الى حدها الأقصى فتنقلب الى فوضى وبدلاً من أن يحكم الشعب نفسه بنفسه نرى حكم الجماهير أو الغوغاء الذي هو بحرهائج يتعذر على سفينة الدولة السيرفية فيما يرى أفلاطون ضمن فلسفته في أنظمة الحكم في أن التطرف في الحرية يولد أفظع أنواع الطغيان ويظهر وسط هذه الفوضى من يؤيده الناس قائداً عليهم ونصيراً لهم ويضفي عليه الشعب قوة متزايدة وسلطاناً هائلاً وفي كل مرة يظهر فيها طاغية يكون هناك سبب أساسي لظهوره وأن حالات الفوضى هي المتسبب الرئيس لظهور حالات الطغيان في البلاد ..

هناك ثلاثة مفاهيم مهمة هي العدل والطاعة والميزان فإذا كان الحب هو غاية سعي الإنسان في الغرب ، فالعدل هو مطلب الإنسان الشرقي ومنتهى أمله وإذا نحن قلنا الحب فقد أشرنا ضمناً الى البذرة التي غرسها شعب الاغريق العجيب في تربة الحضارة الغربية فنمت شجرتها وازهرت وأثمرت حرية وفكراً عقلياً وهذا أهم ما يكون حيث نحن الآن نعيش الحريات ونعيش عصر الحرية ولكن يوجد في داخل مجتمعاتنا من يحمل دواخله استبداداً في الرأي واستبداداً في ضرب الآراء فما أن تصطدم بشخص تعارضه في الرأي إلا وهو يرد عليك بما هو أعتى وينهال عليك بالتهم وحتى الشتائم فلكي نعيش عصر الحرية الكاملة والمطلقة يجب علينا أن نستدرك أفكارنا في التخلص من الاستبداد الفكري الذي يولد الطغيان النوعي وتتم قبول كافة الأفكار المطروحة على الساحة وإن لا يقتصر فكر أحدنا على استلهام أفكاره فقط بل يخروج الى فضاء الحرية ودراسة المفاهيم الحقة القادرة على التعبير إن حلمنا الازلي بالحق وفشلنا في التوصل الى حقنا في حياة كريمة

المزيد


حرية التعبير أين حدودها؟

نوفمبر 23rd, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , فكر و فلسفة

من يريد أن يكتب كي لا يكتب من الأفضل ألا يكتب ومن يريد أن يتسلق ظل الكلمات سيعيش في الظل إلى يوم القيامة


عبر الزيدي العراقي بلغة الحذاء فقذف بها رئيس أعظم دولة فلم يوضع على الخازوق، ووضع ماهر عرار كندي الجنسية في أقبية فرع فلسطين في دمشق لمدة عام في مدفن حقيقي، وهو ليس بفلسطيني، بأمر من أمريكي للاستجواب. فوصل إلى حافة الموت، فكان منه قاب قوسين أو أدنى بعد أن تدلى عزرائيل وإسرافيل وميكائيل وحزقيال بين عينيه.
والآن أين حدود التعبير؟ من الذي يقرر هذا أمام تمرد العقل وسباحته التي لا تعرف الشواطئ؟
ما قيمة أي تفكير ما لم يجد طريقه إلى التشكل بالتعبير، نطقاً وكتابة ونشاطاً وتجمعا وتظاهرا ونقاشا، على الهواء مباشرة وتشكيل تكتلات وأحزاب علنية؟
من يسمح للتفكير بالانطلاق، والتعبير بالانحباس، يغتال الفكر والتعبير معاً.
إذا سمحنا للعقل بالتفكير وكممنا الأفواه عن التعبير، كنا كمثل من ينطلق بسيارة مشدودة الفرامل، فهل يفعل هذا أحد منا؟
لقد صادرنا الكلام فلا يفتح المواطن فمه إلا في المنام وعند طبيب الأسنان؟ وعندما نقول إننا مع التفكير، ولكن لا بد من تنظيم التعبير، فنحن في الواقع نطلق نكتة، ولا نريد التعبير إلا بإلغاء كل تعبير، تحت شعار لا حرية لأعداء الشعب، لنصادر كل حرية؟!
فمن هو العدو؟ وأي حرية نعني؟
يجب أن نشجع التفكيرَ بدون حدود والتعبيرَ بدون قيود، ونحرم شيئاً واحدا فقط وهو استخدام القوة لفرض الآراء خروجا ودخولا، ومن عندَه قدرة على إقناع الناس فليلق حباله وعصيه ويسحر الناس؟ كما هي في الانتخابات نصف المزورة في أمريكا واليابان؟؟
نحن نظن أننا إذا سمحنا للحق والباطل بفرص متكافئة في الصراع، فإن الباطل سيهزم الحق؟!
ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين؟!
نحن نظن أننا إذا فتحنا المجتمع لجميع الآراء فإن الإسلام سيختفي من الأرض؟!
ولكن الذي ثبت أن الإسلام صمد عبر التاريخ، ويكسب أتباعاً باستمرار ليست أقلهم «أخوات محمد» في ألمانيا من نساء جرمانيات وليس تركيات؟! اعترفت مجلة «الشبيجل» الألمانية بأن عددهن يتجاوز الخمسين ألفاً.
وكتاب «جيفري لانج» عن «الصراع من أجل الإيمان» يبين كيف أن أستاذ الرياضيات الأمريكي الملحد أسَرَه القرآن، فاعتنق الإسلام ولكن اتصاله بالمسلمين فجعه؟
أي فكرة خاطئة ستتهاوى ولو بعد حين، وأي رأي مزور حاصله دمار وهلاك، ومن يحمل في جيبه عملة مزيفة، لن يستفيد منها، وسيرسي مصيره وراء القضبان، ومن ملك الذهب صرفه في بنوك العالم أجمعين.
وأي نظام فكر يقوم على الوهم والإكراه لن يصمد مهما حاولنا ترويجه وحراسته، وآية الفشل على أي نظام أنه لا يقوم إلا بحراسة الإرهاب، لأن قوته ليست من ذاته بل من دعم الجوار.
وانهار الاتحاد السوفياتي بسبب داخلي محض، بدون أي هجوم خارجي، وهو يملك ما يدمر به الكرة الأرضية مرات، لأنه كان أعظم نظام إكراه في العقيدة؟
يجب أن نعلم أن قوة أي فكرة هي من داخلها وليس من خارجها، وأن النظام الذي يعتمد القمع يضرب أول مسمار في نعشه ويدشن أول مظاهر هزيمته.
اعتبر القرآن أن الباطل يمكن أن ينمو فيصبح شجرة، والديكتاتوريات أصبحت في بعض الأمكنة أشجاراً باسقة، ولكن مصيرها في النهاية أنها ستسقط، فبقدر ما تنمو بقدر ما تقترب من النهاية، لأنها لا تملك الجذور فتسقط تحت ثقل الأغصان، فاجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
هذه هي عظة التاريخ .
يجب السماح لجميع الأفكار بالتواجد، ولو كفرا وإلحادا، وهرطقة وضلالا أو هكذا نظن ونزعم؟
يجب التعبير عن كل المعتقدات ولو كانت من حجر الشيطان، والسماح لكل الآراء مهما تناقضت ومهما تضاربت، فالمجتمع ينمو بتعددية الآراء وتباين وجهات النظر، من خلال زوجية وتزاوج الأفكار، ولذلك خلقهم، فيجب أن يسمح لكل الاتجاهات بالحضور والدعوة والمناقشة العلنية، مهما حملت من أفكار وبرامج، وهذا يعني بناء مجتمع (اللا إكراه في الدين) وإلا كانت بعثية وعبثية، وشيوعية وشيعية، وناصرية ونصرانية، ذات اتجاه واحد، وهذه فكرة مفتاحية في القرآن، فمع ممارسة الإكراه في المجتمع واحتكار السلطة وإنشاء نظام الحزب الواحد والكنيسة الرسولية والكي جي بي، سواء كان قومياً أو مذهبيا، إسلامياً أو لا دينيا، تتم مصادرة كل الآراء لرأي يتيم في جيب سلطان مطلق.
وهذا يعني، في علم البنية التحتية، بناء طرق سريعة باتجاه واحد، وصناعة سيارات تمشي إلى الأمام فقط، فإذا دخلت الكاراج انحشرت، فلم تخرج فهل يقول بهذا رجل رشيد؟!
إن قتل الناس من أجل آرائهم أسلوب فرعوني، وليس إسلاميا وإنسانيا، وكان الرسول (ص) يكرر لأصحابه أهمية الرأي العام:
أتريدون أن يشاع بين الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟
وهو ما فعله الأسد بعمران، وعبد الناصر بعامر، وستالين بـ800 ألف من أوكرانيا، وحمل شعب الشيشان بالكامل إلى صقيع سيبريا، فمات ثلاثة أرباعهم قبل أن يعود الربع المتلاشي على يد خروتشوف إلى غروزني المدينة الموحشة، وما فعله صدام حين قتل السامرائي والشيخلي والكزار وحردان وأفواج لا حصر لها لا يضمهم كتاب ولا يجمعهم قرطاس، وألحق بهم في النهاية أصهاره الأحباب!!
أعدم «سقراط» بالسم عام 399 قبل الميلاد بجريمة «التعبير» لكونه ينشر الإلحاد ويفسد عقول الشبيبة.
ونـُفي الفيلسوف الرواقي «ابكتيتوس» من روما بنفس التهمة، وقضى «ابن رشد» بقية الشيخوخة في قرية «الليسانة» اليهودية تحت الإق

المزيد


فلسفة الظلم وتوصيف الديكتاتوريه

نوفمبر 16th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , فكر و فلسفة

الظلم أفة تصيب الكثير من الناس وتجعل منهم حيتانا تحاول أن تلتهم ما دونهم من البشر و أكثر الناس عُرضة للإصابه بداء الظلم هم الحكام والأغنياء والأقوياء

عموما حيث أن إمتلاك القوه يُغري بممارسة الظلم , وإحجام الناس عن مواجهة الحكام والأغنياء يُغريهم بالإستمرار في الظلم والتمادي فيه يشجعهم في ذلك المنافقون الذين يصورون لهم الظلم حسنا فيصلون بالحكام الظلمه والأغنياء الجشعين إلي حد الإيمان حقيقة بأن ما يقومون به من ظلم لم مبرراته ودواعيه الطيبه.

إذا أصاب الظلم رأس المجتمع من حكام وصفوة فإنه ينتشر بسرعة إلي كل مناحي المجتمع ويغلب التظالم علي عامة الناس

بينما إنتشار الظلم من عامة الناس إلي الصفوه والحكام مسألة مستبعده وإن حدثت فهي بطيئه لأن الصفوه والقاده لا يقتدون بالعامه .
ما أحاول أن أقرره هنا هو أن الشعوب المقهوره لا تتحمل مسؤلية ما يحدث لها إنما يتحمله من يمارسون القهر ضدها وإن كانت مسؤلية إزاحة هذا القهر تقع علي الشعوب نفسها.
إن الطغاه يروجون دائما لفكرة أن الظلمه هم من أبناء الشعب وأنه عند تغييرهم فإن إمكانية حدوث الظلم مرة أخري قائمه لأن الشعوب مصابة بافة التظالم وعليه فعليها أن ترضي بالحاكم الظالم الذي تعرفه بدلا من المخاطره بحاكم ظالم لم تعرف حدود ظلمه بعد , ف

المزيد


التالي