سعيد بوجعدية يروي قصة اعتقاله وتعذيبه بغوانتنامو

ديسمبر 27th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, سياسة

يقول سعيد بوجعدية إنه هاجر إلى أفغانستان بحثا عن العمل واعتقل بعد أن كان الناجي الوحيد في انفجار سيارة لتهريب النازحين في نفس الكمين الذي وقع فيه سائق بن لادن على الحدود الباكستانية، ليصنف ”المتهم رقم ،”2 وبعد قرابة سبع سنين من العذاب الشبه يومي في ”غوانتنامو” رحل إلى المغرب ليحكم عليه بعشر سنوات بينما سائق بن لادن، ”المتهم رقم ،”1 حر طليق الآن!

من هو سعيد بوجعدية؟

سعيد بوجعدية من مواليد سنة 1968 ببوسكورة، درست بها المرحلة الابتدائية قبل أن أنتقل إلى الدار البيضاء لمتابعة دراستي الإعدادية ثم الثانوية، تزوجت سنة 1994 ولي الآن ثلاثة أطفال، هاجرت إلى أفغانستان سنة .2001

ما الذي قادك إلى أفغانستان؟ ولماذا؟

هاجرت إلى أفغانستان من أجل العمل، وذلك في شهر يوليوز من سنة 2001 رفقة زوجتي وأبنائي، واستأجرت منزلا بمدينة قندهار، قبل أن تقع أحداث 11 سبتمبر بمدينة نيويورك والتي أعقبتها حرب أمريكية على طالبان بأفغانستان.

اعتقلت خلال تلك الحرب، حدثنا عن ملابسات الاعتقال؟

كما قلت أنا كنت أستقر بمدينة قندهار، ولما وقع الهجوم الأمريكي على أفغانستان عقب تفجيرات 11 شتنبر، حاولت أن أتجه نحو الحدود مع باكستان بعدما لم تعد المدينة آمنة ولا أفغانستان التي كانت مستهدفة بأكملها، فتوجهنا نحو مدينة ”بندق” الحدودية مع باكستان، ولما تعذر تهريبنا إلى باكستان من قبل أشخاص كانوا متخصصين في تهريب النازحين من الحرب نحو باكستان، آنذاك كنا مضطرين للعودة إلى قندهار للمبيت بها، وفي طريق عودتنا وجدنا كمينا عسكريا، خلاله تم إطلاق النار على السيارة التي كنت أركبها بعدما تبين للمليشيات العسكرية أننا عرب، فقتل جميع من كان يركب في السيارة ونجوت ولله الحمد، ووقعت أسيرا بعدما أصبت برصاصة، وقضيت خمسة أيام مكبل اليدين، رفقة سالم حمدان في أحد المعتقلات بقرية ”تختبوت” التي تقع بين ”قندهار” و”بندق” الحدودية.

من يكون سالم حمدان؟

سالم حمدان هو السائق الشخصي لأسامة بن لادن، اعتقل في نفس الكمين الذي اعتقلت فيه، كان يمتطي سيارة أخرى غير التي كنت بها، لم أكن أعرفه ولم أكن أدري أنه السائق الشخصي لبن لادن.

بعد قضائكما لخمسة أيام في تلك القرية، أين كانت الوجهة؟

أتت القوات الأمريكية وحققت معنا، وأخذت المعلومات قبل أن تعود ثانية وتحقق معنا من جديد، ليتم ترحيلنا بواسطة مروحية أمريكية إلى وجهة غير معلومة، أعتقد أنها قاعدة عسكرية بإحدى المدن الباكستانية، وقضينا ليلة واحدة هناك

أنت وسالم حمدان؟

نعم

أين كانت الوجهة بعد ذلك؟

في الغد أخذونا إلى سجن بنشير بشمال باكستان، قضينا هناك خمسة أسابيع وما رافقها من تعذيب وحشي لنا من قبل القوات الأمريكية، حيث كان يتم التحقيق معنا من قبل الاستخبارات الأمريكية والمصرية.

ما هي التهم التي كانت توجه إليك أثناء التحقيق؟

كانت تهمة واحدة توجه لكل العرب الذين يتم اعتقالهم، تهمة الانتماء إلى تنظيم القاعدة، وكانوا قد صنفوني المتهم رقم ،2 بعد سالم حمدان، نظرا لأنني اعتقلت رفقته وكان هو السائق الشخصي لأسامة بن لادن وقد اعترف بذلك، فاتهموني بأنني كنت معه، وبأنني بايعت بن لادن، والحقيقة أنني لم أكن أعرفه، وتعرفت عليه بعد أن اعتقلنا معا، ومن التهم التي اتهمت بها أيضا، ”تهمة امتلاك وتهريب صواريخ مضادة للطائرات”، وحكاية هاته الصواريخ أنها وجدت في السيارة التي كنت أمتطيها، بالرغم من عدم صلتي بها، وعدم معرفتي بالأشخاص الذين كانوا معي قبل أن يقتلوا جميعا، كنت قد استوقفت السيارة للعودة إلى قندهار من غير علمي بهوية أصحابها، ولا بما يحملون من أمتعة على متنها.

بعد سجن بنشير، أين تم ترحيلكم؟

استقدموا طائرة مروحية عسكرية، وأخذونا إلى سجن ”باغرام”، كنا أول المعتقلين الذين يلجون هذا السجن، مكثنا هناك أسبوعين تعرضنا خلالها لشتى أنواع التعذيب، كانوا يمنعوننا من النوم، ثم بعد ذلك نقلونا إلى أفغانستان وبالضبط إلى قندهار، خلالها قضينا شهرا في معسكر أمريكي للتحقيق، هناك أيضا كان يتكرر نفس السيناريو من تحقيق وتعذيب، وإرغام على الاعتراف بالانتماء إلى القاعدة، ليتم نقلنا أخيرا إلى سجن غوانتنامو المشؤوم على متن طائرات تحمل شارة الصليب الأحمر.

حدثنا عن أساليب التعذيب التي مورست عليك خلال عملية التحقيق؟

استعملوا معي مختلف أنواع التعذيب، من الضرب إلى التجويع والتعليق، كانوا يصبون علي الماء البارد، ويحدثوا بالمعتقل أصوات غريبة وضوضاء من أجل منعي من النوم، وتعرضت للصعق بالكهرباء، وتعرضت كذلك للتعذيب النفسي، حيث عرضوني علي جهاز ”كشف الكذب”، كما كانوا يسمونه، كنت أمتنع عن ارتدائه، أعتبره نوعا من أنواع التعذيب النفسي أكثر من ما هو حقيقة، وعوقبت كثيرا لعدم الامتثال له.

ماذا عن الوضع في غوانتنامو؟ كيف كنت تقضي يومك هناك؟

لا يختلف الأمر كثيرا عن ما عايناه في باغرام أو بنشير، كل المعتقلات كانت تسير من قبل آلة القمع الاستخباراتية الأمريكية، إلا أن شدة التعذيب ارتفعت بشكل لا يتصور، وضعوني أولا في زنزانة حديدية منفردة، أشبه بثلاجة صغيرة، كان يمنع الاتصال بيننا، ولم يكن صوت الضوضاء الذي كان يتردد بمختلف الزنازين ينقطع، وذلك للحيلولة دون التواصل بين مختلف السجناء، وبالرغم من ذلك ولله الحمد، كنت استيقظ قبل صلاة الفجر، وأذكر الله عز وجل ثم أتلو كتاب الله، كانت حياتنا كلها مع كتاب الله عز وجل.

وماذا عن مجلس سجناء غوانتنامو؟

كان هناك مجلس سجناء يضم ستة إخوة، أسس لتمكين المعتقلين من الحديث عن قضاياهم والتفاوض عليها مع السلطات، والتوصل إلى مواقف ثابتة لدى الجميع، وبالرغم من أنه سمح لهم بإجراء اجتماعات، فقد منعوا

 

من الحديث بشكل سري، لم يستمر المجلس كثيرا، وتم حله بعدما بدت سوء النوايا لدى الإدارة الأمريكية.

هل استمر التحقيق طوال السنوات الستة التي قضيتها بغوانتنامو؟

إلى الآن لازال التحقيق بغوانتنامو، التحقيق معي استمر إلى آخر يوم قضيته هناك، كان ملازما لي رفقة التعذيب طوال مدة الاعتقال، إلا أن التعذيب تغير في السنوات الأخيرة من تعذيب جسدي إلى تعذيب نفسي شديد، تمثل في الحرمان من

المزيد


بلاغ المعتقلين السياسيين بمراكش السجن المحلي بولمهارز

ديسمبر 26th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, سياسة

بــــــــــــــــــــــــــلاغ

يوما بعد آخر يتزايد واقع القمع الرهيب لكافة مظاهر الحريات السياسية والنقابية ببلادنا , الذي تنهجه الآلة القمعية لنظام الحكم المطلق مكسرا كل أوهام الإنتقال الديمقراطي والسلم الإجتماعي , دولة الحق والقانون , الإنصاف والمصالحة , معلنا عدائه التام لكل مصالح الجماهير الشعبية , فاتحا أبواب السجون على مصراعيها لخيرة المناضلين , مستعملا أبشع أنواع التعذيب والإغتيالات في حق أبناء هذا الوطن الذين رفضوا طريق المهادنة واختاروا طرق المواجهة , فتسارعت المحاكمات بوتيرة خطيرة ( مراكش , فاس , الراشيدية , إيفني , تاغجيجت…).

إن هذا الواقع فرض على كل المناضلين المزيد من النضال من أجل إطلاق سراح كافة المعتقلين و إيقاف نزيف المحاكمات والمطالبة بالحرية و الديمقراطية ببلادنا , جاءت الوقفة الإحتجاجية الوطنية التي دعت إليها الهيئة الوطنية للتضامن مع المعتقلين السياسيين بالمغرب يوم الثلاثاء 15/12/2009 التي تعرضت لقمع رهيب , وتدخل سافر في حق المناضلين , كما تم تنظيم القافلة التضامنية إلى مراكش يوم الأحد 20 دجنبر , والت

المزيد


رجال المخزن… وتدجين الاتباع

ديسمبر 25th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

حزمة مفردات الميثولوجيا من خرافات، واساطير، وحقائق غير مؤكدة، وخوارق لسنن الكون، ومستقبليات في إطار التدافع التاريخي كما وردت في كتب الملاحم والفتن ونهاية العالم وغيرها، كل هذه المفردات مجتمعة أو متفرقة تؤدي بطريقة ما إلى تدجين المتدين بها، وإمداده بقدرة فائقة على قبول الاعتباطية والتناقضية، وتزوده بقوة صبر على تحمل وضعية القهر والعجز والتخلف.

وقد أدرك رجال المخزن (= رجال الدين) أهمية الميثولوجيا في السيطرة على مخيال المتدين وتطويع سلوكه وتدجين تصرفاته، فصنفوا له كتب المناقب، والملاحم، والفتن، وقدمت له في إطار المقدس والوحي لتؤدي وظيفة الميثولوجيا بأبعادها المتنوعة، وأبرز هذه الابعاد رسم الملحمة المستقبلية في إطار الافضلية والخيرية لمعتقدات الاتباع، مما يدفع بالمؤمنين بهذه الاخبار والملاحم إلى ترك الاخذ بسنن وقوانين السيطرة والتحكم في الواقع والنهوض به، وهذا بدوره يجعل المتدين في حالة ترقب مستمر لحلول غيبية كالمعجزات والاساطير السحرية والخوارق.

وعلى هذا الاساس يتوسل دعاة المخزن للاتباع بالماضي وأمجاد الاسلاف ورؤى الزهاد يجملون بها الواقع في نظر المتدين، ويدفعون به إلى قبوله وعدم التمرد عليها تدينا تأسيسا لعقيدة المساكين والمدجنين. فالمدجن لا يقبل النقد ولا الفشل كأمر واقع، ولا يستطيع الاعتراف بمسؤوليته المباشرة في ما حل به، أنه إما أن يهرب من الواقع إلى الميثولوجيا، أو يلقى اللوم على أعداء دينه، أو يوهم نفسه بأن الأمر عابر إن مع العسر يسرا، أو يستجيب بالعنفوان بمنطق علي وعلى أعدائي.. عجلت إليك ربي لترضى!!

واللافت للنظر أن انتشار سوق الميثولوجيا وتكاثر دعاة المخزن وزيادة حجم المدجنين عادة ما يكون في مناطق الاستبداد والجهل والحرمان وسيطرة المنهج التمجيدي والعقل التجبيسي، حيث يتضخم الاحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة، ويصبح إلتماس النتائج من غير أسبابها، واستبدال السببية المادية بالسببية الغيبية منطق الجاهل والمتعلم على حد سواء !!

ويبدو أن حالة انعدام الحريات والأمن الفردي والفكري والاقتصادي هو ما يجعل فرصة انتشار دعاة المخزن أكبر وأكثر طالما أن الضمانات مفقودة والحريات منعدمة، والأفق مسدود، وبالتالي يصبح قبول طرح دعاة المخزن الميثولوجي منطقي من حيث تفسير الواقع ورسم المستقبل من خلال أحاديث الملاحم والفتن ورؤى ومنامات الاسلاف.

وهكذا تبدو خطورة رجال المخزن في تدجين الاتباع برسم المصير والمستقبل، والرضى بالقهر والتخلف، وقبول الاستبداد وكبت الحريات لدرجة الموت في سبيله تدينا، وذلك من خلال حزمة من الاسانيد تأمر بالسمع والطاعة لولاية المتغلب وأن جلد ظهرك وأخذ مالك…فيكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده…. فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله…. من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية.

كذلك من خلال أحاديث المهدى المنتظر التي تدعو الناس إلى ترقب خروجه بعد انتشار الظلم والفساد ليملأ الارض عدلا وقسطا( المهدي مني اجلى الجبهة اقنى الانف يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين )) لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله رجلا من اهل بيتي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا( ) لا تذهب او لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (( لا تقوم الساعة حتى تمتلا الارض ظلما وعدوانا قال : ثم يخرج رجل من عترتي او من اهل بيتي يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا ) الصبر على الظلم وانتظار م

المزيد


المخزن حي لا يموت !!

ديسمبر 22nd, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

الاستعارات المخزنية التي نحيا بها

 

لقد أولت الكتابة الصحفية في السنوات الأخيرة اهتماما ملفتا في تشريح وتبسيط مفهوم" المخزن" من خلال مقالات وحوارات وتصريحات متنوعة، وقد سعت بعض الأقلام إلى مناقشة المفهوم نقاشا علميا يستحضر التاريخ والسوسيولوجيا والأنثربولوجيا، فيما وقف البعض عند تسجيل موقف سياسي انطلاقا من الموقع السياسي والأيديولوجي لتبرير هذا الموقف أو ذاك تجاه السلطة حين تتعارض المصالح.

الملاحَظ أن مفهوم المخزن لا زال يعرف التباسا عند الكثير من الناس، ومرد هذا الالتباس أن حضور دلالته تقف عند حدود المعنى القدحي للكلمة سواء عند حاشية النظام السياسي أو لدى المعارضين، ولذلك لن تجد من يقول أنا مثقف مخزني أو سياسي مخزني أو فقيه مخزني أو مؤرخ مخزني أو إسلامي مخزني.. على غرار ما نجده في الكتابات التاريخية المغربية،بل قد تجد من يقول بأنه حزب الملك، فيصفه خصمه بالمخزني. فينزعج هذا الحزب ومريديه. والسبب يعود إلى الالتباس الدلالي للكلمة كما أسلفنا، لأن المخزن برأي البعض قد مات مع خروج الاستعمار ونيل الاستقلال، أو أن المخزن مات بموت المعارضة اليسارية الحزبية التقليدية التي نشأت على هامش الحركة الوطنية كما صرح ذات يوم الحاج محمد اليازغي. وربما تصريح السيد اليازغي كان يختزل مفهوم المخزن في إدريس البصري الذي قال ذات يوم: "أنا هو المخزن" أو ربما يستضمر تبريرا للمآل الذي بلغه رفاق المهدي بن بركة صاحب وثيقة الاختيار الثوري.

إن الاستعمار لم يقض على المخزن كما يزعم البعض، بل إن الاستعمار رعى المخزن وتبثه وقواه من خلال القواد والأعيان والشرفاء ورجال العسكر ( حصلت على وثيقة جد خطيرة فيها بيعة لابن عرفة من قياد واعيان وشرفاء لمنطقة(…) وهؤلاء لا يزالون يمارسون سلطتهم وتجبرهم إلى حدود كتابة هذا النص في إطار نظيمة المخزن المعاصر)، كما أن المخزن لا يزال مستمرا وحاضرا بقوة، ويكفي أن تعود للكتابات المغربية التي عالجت الموضوع بشكل علمي، أقول الكتابات المغربية وليس كتابات الباحثين الأجانب الذين يبنون أحكامهم على أساس ملاحظات "تجريبية" تستمد معطياتها من مجريات الأمور في الحاضر، لأن الأجانب غالبا ما يعرضون عن التحليل التاريخي، ولذلك لا يقدمون تفسيرا بل ينهمكون في استقراء ما يحدث بهدف التعرف على ما قد تؤول إليه الأمور في المستقبل. أما الكتابات المغربية من أمثال عبد الله حمودي وعبد الله العروي ومحمد الطوزي ومحمد الناجي ونورالدين الزاهي وهند عروب وعبد الرحيم العطري..الخ، تبقى محاولات جادة في سبيل تقريب المفهوم بشكل علمي إلى أذهان المتلقي ومقاومة التشويش على مستوى التحديد الدلالي الذي يتسم به مفهوم المخزن كما نجد عند البعض حين يحصر المخزن في:

  • المؤسسة الملكية.
  • الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية.
  • الممارسات التعسفية للسلطة بشكل عام.
  • الطقوس البروتوكولية الموروثة.

 قد تكون هذه التعريفات تكتسي جانبا من الصحة. أو قل تعريف جزئي المخزن، غير أن المخزن كما أراه يتعدى هذا التحديد الجزئي إلى تحديد أشمل : المخزن هو ثقافة مغربية ضاربة جذورها في عمق التاريخ وحاضرة بقوة في المجال التداولي المغربي، حاضرة عند السلطة كما هي حاضرة أيضا عند المعارضة، المخزن حاضر في التنظيمات السياسية وفي ما يسمى بالمجتمع المدني، فظاهرة الزعيم الخالد والقائد الضرورة هي ثقافة موجودة في كل التشكيلات السياسية والمجتمعية، بل قد تجد أن المخزن "أرحم" من بعض التنظيمات التي تظاهر أنها تحارب المخزن، غير أنك إذا كنت تفهم لعبة المخزن، وتفقه ثقافة المخزن من جذورها، لا شك انك واجد أن هذا التنظيم أو تلك الجمعية من "ممثلي الشعب" تحارب المخزن بأدوات مخزنية صدئة ومسمومة تقدم لك السم في الدسم، لذلك هناك – حسب رأيي- مخزنان وليس " مخزن" واحد كما وقر في الأذهان، هناك مخزن رسمي وهناك مخزن معارض. ومن أراد أن يعيش خارج سرب المخزن سواء كان رسميا أو معارضا فهو لا شك سيعيش في أدغال "السيبة"، ومن رضي بهذا الموقع سيصنف من الخوارج الجدد. وهنا سيحتمي أبوك بالنصوص ليدخل اللصوص. سيكون "الشرع" سلاحا للمعارضة كما وقع للاتحاد الاشتراكي حين عارض الاستفتاء حول أقاليمنا الجنوبية بشهادة التاريخ والجغرافيا وحتى الشرع. وها نحن أحيانا الله إلى أن رأينا أن نظرة "الخوارج" كانت صحيحة المائة في المائة!! 

 لا أريد أن أسترسل في الموضوع لإعطاء بعض الأمثلة لضيق المجال، وإنما حسبي أن أعرض تعريفا جديدا للمخزن كثقافة يعتاش من استعارات حاملة لقيم وجدانية يحفل بها الخطاب الإعلامي الرسمي، ألمع إليها أستاذنا الدكتور محمد العمري في آخر كتبه "منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين: عوائق الحداثة في المغرب" منشورات جمعية وادي الحجاج للثقافة والتنمية، ورزازات، الطبعة الأولى، 2009. 

 المعجم السياسي للمخزن الرسمي : 

أنتج المخزن الرسمي مجموعة من الاستعارات عبر خطابات رسمية، وهي استعارات تجسد التبعية بين الحاكم والمحكوم، بين الذات والموضوع، نحاول أن نعرض لبعضها – حسب نظرة المفكر البلاغي لمفهوم المخزن- في الكتاب المذكور سالفا، ص ص : 113- 121

1.     المخزن: الضرب، ثم الجمع والقسمة:

المخزن في اللغة: المستودع، أي مكان الخزن. وقد أطلق في بداية الأمر على البنايات التي تو

المزيد


أسبوع الإحتجاج بطنجة

ديسمبر 14th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, سياسة

في خضم الإحتجاجات التي تواصلها جماهير العمال و العاملات المسرحة من شغلها و معاملها - حالة كرامود للخياطة - و التي لم تعرف التفاتة حقيقية من طرف الإطارات التقدمية و الديمقراطية بالمدينة .. خلدت العديد من الإطارات و التيارات اليسارية ، اليوم العالمي لحقوق الإنسان ، في شكل 3 وقفات بعضها رمزي و نخبوي و بعضها الآخر اتخذ طابعا آخر يمكن نعته بالجماهيري أو المتنوع .
و في هذا الإطار أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن وقفة احتجاجية بباب محكمة الإستئناف يوم الخميس على الساعة الثانية عشر و النصف ، وقفة نخبوية بامتياز ضمت العدد القليل من المناضلين مكتفية ببعض الأسماء المعروفة في ميدان المحاماة و بعض من أطر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان و أعضاء مكتبها المحلي .. و لم تدم الوقفة سوى نصف ساعة تلي خلالها بيان المكتب لينسحب المنظمون بسرعة مدهشة .

عشية هذا اليوم و على الساعة السابعة تم تنظيم وقفة احتجاجية من طرف التنسيقية المحلية لمناهضة الغلاء و قلبها النابض جمعية أطاك لمناهضة العولمة الرأسمالية ، الشيء الذي أعطى الوقفة طابعها الجماهير المتميز حيث دامت أكثر من ساعة و نصف ، و كان موضوعا لها جميع الملفات و القضايا و المطالب التي تهم المواطنين و المواطنات بملحاحية قصوى ، مثل الغلاء و ارتفاع فواتير الماء و الكهرباء و تخريب التعليم عبر مخططات الدولة الطبقية ،و الإعتقال السياسي و التضييق على الحريات ، و تسريح العمال و العاملات و المعطلين … مما فرض على الوقفة تنويع الشعارات و المطالب ، و أضفى عليها مسحة شعبية لم يعتد عليها في الوقفات التي تدعي النضال " الحقوقي " و فقط .

يوم الجمعة تداركت الفرصة بعض الأصوات و التيارات التي لا وزن لها داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ، لتعلن عن تنظيم وقفة احتجاجية تخليدا لذكرى استشهاد سعيدة المنبهي شهيدة الحركة الماركسية اللينينية ، و ذكرى نجية أدايا شهيدة المعطلين .. و قد تشكلت لهذا الغرض لجنة إعدادية تكتلت داخلها العديد من الإطارات و التيارات و الجمعيات .. البعض منها لا يتوفر على أكثر من عنصرين - مكتب و قاعدة ، أو قيادة و قاعدة - و الأمثلة عديدة ، منتد

المزيد


حملة من اجل ملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين بموجب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي

ديسمبر 12th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, سياسة

 

حملة من اجل ملاحقة ومحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين بموجب مبدأ الاختصاص القضائي العالمي ، أو ما يعرف ب " الولاية الكونية " .

أساس الحملة / تفعيل ذلك المبدأ الذي كفلته اتفاقيات جنيف الأربع 1949 :

وذلك بملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن :

- جنسية مرتكبي جرائم الحرب .

- مكان ارتكاب جرائم الحرب .

- تاريخ ارتكاب جرائم الحرب .

فكل دولة طرف في اتفاقيات جنيف من حقها ملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب سواء خضعوا لجنسيتها أو لأي جنسية أخرى ، وحتى لو لم ترتكب الجرائم على أرضها ، دون الاعتداد بتاريخ ارتكاب الجرائم ، باعتبار أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم .

أهمية الحملة / تكمن أهمية الحملة في الحيلولة دون الخضوع للاعتبارات السياسية التي تؤدي لإفلات مجرمي الحرب الإسرائيليين من العقاب بالمحاكمة أمام القضاء الدولي ، نتيجة الهيمنة الأمريكية على العالم بشكل عام و، على المؤسسات الدولية بشكل خاص كالجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي .

- المحاكمة أمام محاكم الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف.
أعطت اتفاقيات جنيف الأربع اختصاصًا عالميًا للدول الأطراف ، حيث ألزمتهم بنص المواد المشتركة بين الاتفاقيات الأربع م/49جنيف الأولى ، م/50جنيف الثانية ، م/129جنيف الثالثة، م/146 جنيف الرابعة بملاحقة المتهمين باقتراف المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها وتقديمهم إلى محاكمها أيًا كانت جنسيتهم ، أو تسليمهم لطرف آخر معني بمحاكمتهم.

وأكد مبدأ الاختصاص العالمي ما ورد في المادة (86/1) من البروتوكول الأول التي طالبت الدول المتعاقدة وأطراف النزاع بقمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة بمنع كافة الانتهاكات الأخرى لاتفاقيات جنيف ، فالاختصاص العالمي الذي منحته اتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول بقمع الانتهاكات الجسيمة ، والتي تشكل جرائم حرب يشمل جميع الدول الأعضاء والدول أطراف النزاع ، ومنها إسرائيل التي يترتب عليها التزام دولي بمحاكمة مجرمي الحرب من مواطنيها ، وفي حال امتناعها يحق لأي من الدول الأعضاء والدول المعنية أو للمحكمة الجنائية الدولية بصفتها قضاءً جنائيًا دوليًا دائمًا محاكمتهم.

و يحول الثقل الأمريكي في المجتمع الدولي والداعم الرئيسي للكيان الإسرائيلي غير الشرعي دون

المزيد


كلمة المعتقلين السياسيين بالسجن المحلي ـ عين قادوس

ديسمبر 11th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , حقوق الانسان, سياسة

فاس في 10ـ12ـ2009
المعتقلين السياسيين الخمسة السجن المحلي ـ عين قادوس

كلمة المعتقلين السياسيين

مجدا وخلودا لكل شهداء الشعب المغربي وعلى رأسهم شهداء الحركة الطلابية.
تحية النضال والصمود لكل المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم معتقلي الحركة الطلابية.
نحيي عاليا لجنة المعتقل المنبثقة عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ولجنة العائلات كما نحيي كل الأحرار والشرفاء، تحية نضالية لأوسع الجماهير الطلابية في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
في الوقت الذي يتغنى فيه الجميع بحقوق الانسان لازال النظام القائم بالمغرب يواصل زحفه على كل المكتسبات التاريخية للجماهير الشعبية واستنزاف قوتها اليومي عملا على إرضاء أسياده الإمبرياليين والإلتزام بإملاءات مؤسساتهم المالية (صندوق النقد الدولي، البنك العالمي،…) انسجاما وطبيعته اللاوطنية اللاديمقراطية اللاشعبية ولأدل على ذلك ما يشهده الواقع المعاش لجماهير شعبنا الكادح من تكريس لسياسة التقتيل والتجويع والتجهيل عبر موجة الخوصصة التي تشمل كل القطاعات الاجتماعية (صحة، سكن، نقل، تعليم…) إضافة إلى التسريح الجماعي للعمال، تشريد الفلاحين، الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الاستهلاكية،…والتقتيل اليومي عبر القمع الدموي الرهيب الذي يتعاطى به النظام القائم مع كل الأشكال النضالية للجماهير الشعبية وضرب كل الأصوات الحرة المنددة بهذا الواقع المأساوي والمعبرة عن مطامح الشعب المغربي الكادح في التحرر والانعتاق من براثين الاضطهاد والاستغلال الطبقيين من خلال تفجير انتفاضات مجيدة (صفرو، سيدي ايفني، خريبكة، تغجيجت…)، أكدت للمرة الألف زيف الشعارات الديماغوجية ("العهد الجديد"، "الانتقال الديمقراطي"، "الانصاف والمصالحة"،…) للنظام القائم وأبواقه المأجورة وبمباركة القوى الإصلاحية والبيروقراطيات النقابية التي تعمل على لجم الفعل النضالي.
وبحكم مكانتها التاريخية إلى جانب الحركة الجماهيرية نالت الحركة الطلابية ولازالت قسطا وافرا من القمع التي تزداد حدته يوما بعد يوم، خصوصا بعد عدم تمكن النظام القائم من تفعيل بنود الميثاق الطبقي للتربية والتكوين وطرحه "المخطط الاستعجالي" الذي لا يختلف عن سابقه من حيث المضمون ويسارع الزمن من أجل تفويت قطاع التعليم من القطاع العام إلى

المزيد


محنة الصحافة

ديسمبر 8th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة

صباح الخير أيها القراء… ها نحن نطل برؤوسنا من جديد بعد أن أخرجت السلطة في بلادنا كل سيوفها لقطع أعناقنا بالقانون وبلا قانون. في المحاكم وخارج المحاكم.. بالسياسة تارة، وبالعنف أخرى. ها نحن نطل من نافذة جديدة هي "أخبار اليوم المغربية"، بعدم أن أقدموا على إغلاق "أخبار اليوم" بشكل تعسفي مفضوح. لقد أعار وزيرنا الأول عباس الفاسي، سليل حزب الاستقلال يا حسرة، توقيعه إلى جهات أخرى منعت جريدتنا من الوصول إلى أيدي القراء رغم أن قانون الصحافة لا يعطي صلاحية المنع لأحد سوى القاضي!

توفيق بوعشرين

Tuesday, December 08, 2009  هسبريس

هل نحتاج مرة أخرى لنحكي الحكاية من البداية؟ لا أظن. كلكم تعرفون تفاصيل ما جرى. إنها "حملة تطهير" اجتاحت الحقل الصحافي في بلادنا. فوضعت بعضنا في السجن النافذ أو الموقوف التنفيذ، وأثقلت كاهلنا بالغرامات الثقيلة، وأقفلت صحفا منها "أخبار اليوم" وأسبوعية "المشعل".. عجل الله بفرجه في حق مديرها الزميل إدريس شحتان

لقد أعفتنا "الحملة"، التي لا يوجد في قاموسها شيء اسمه القانون أو القضاء أو العقل أو المصلحة أو حتى السياسة، من الشرح. ولهذا نقول للجميع إننا "راضون" بدفع ضريبة الكلمة الحرة والقلم الجريء، مهما كلفنا ذلك من سجن ومنع وغرامة وخراب بيوت. لقد أسفرت الحرب التي دامت على "أخبار اليوم" لمدة تسعة أسابيع عن خسائر فادحة.. لقد طردوا أسرة تحرير جريدتنا من مكاتبها، وكبدونا خسائر تفوق 140 مليون سنتيم، وحكموا على العبد لله وزميله خالد كدار بـ 8 سنوات سجنا موقوفة التنفيذ وغرامة فاقت 315 مليون سنتيم. إذا كان ثمن الدفاع عن صحافة حرة هو هذا، فلا بأس. لسنا وحدنا من دفع أو سيدفع تكلفة الانتقال من "دولة المخزن" إ

المزيد


مفهوم -وزارات السيادة- نتاج الصراع بين الشرعية الشعبية والشرعية التاريخية الدينية

ديسمبر 7th, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة

في الثقافة السياسية المغربية ظلت، حسب ميزان قوى الصراع بين الشرعية الشعبية والشرعية التاريخية الدينية، مجموعة من الوزارات، قد يتصاعد عددها أو يتقلص باختلاف الظروف، وتنعت بـ "وزارات السيادة" غالبا ما يهم الأمر وزارات الداخلية، الخارجية، الأوقاف، العدل، الأمانة العامة للحكومة وإدارة الدفاع الوطني، هذا مع العلم أنه لا وجود لوزارة الدفاع بالمغرب منذ الانقلاب العسكري لسنة 1972، وطبعا ظلت هذه الوزارات خارج دائرة نفوذ التناوب السياسي.
إنها في واقع الأمر وزارات لا يشرف عليها الوزير الأول؛ ومن أبرزها هذه الوزارات، وزارة الداخلية، علما أن الملك محمد السادس عمل في اتجاه الحد من تغول أجهزة الأمن المرتبطة بها، وذلك باعتبار الداخلية أهم "وزارات السيادة" في الثقافة السياسية المغربية، حيث يعتبر فقهاء القانون الدستوري والمحللون السياسيون أن مفهوم "وزارات السيادة" لا وجود له خارج مفهوم "حكومة السيادة"، إذ أن كل الوزارات هي وزارات سيادة، علاوة على أن الدساتير المغربية لم يسبق لها أن نصت على هذا المفهوم لا من بعيد ولا من قريب، حيث أجمع هؤلاء أنه مفهوم غير دستوري.
فالدستور المغربي ينص على أن السيادة للأمة التي تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء أو بطريقة غير مباشرة عبر المؤسسات الدستورية، وما دامت الحكومة هي مؤسسة دستورية، فكل وزاراتها هي وزارات سيادة.
إلا أن مفهوم "وزارات السيادة" ظل مبدأ حاضرا بقوة في مجال التطبيق واحتل موقعا جوهريا في الخطابات الملكية لاسيما منذ الثمانينيات.
ومن المعلوم أن مفهوم "وزارت السيادة" ليس مفهوما تجزيئيا وإنما وجب ربطه بإشكالية السيادة في شموليتها، حتى في نطاق تكريسها على الصعيد المحلي، لاسيما بخصوص رمزية شخصية الوالي أو العامل التي تتمركز حول اختصاصات وصلاحيات واسعة.
لقد سبق لعبد الهادي بوطالب، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أن أكد بصريح العبارة، أن وزارات السيادة غير دستورية وإنما أضحت كذلك بالعرف فقط، دون الاستناد إلى أي نص قانوني.
ويرى الدكتور احمد مالكي، أستاذ العلوم السياسية، أنه في المغرب بدأنا مع حكومة 2002 ننتقل من الفهم القديم لوزارات السيادة إلى وضع أكثر تجديدا نسبيا، إذ أسندت وزارة العدل إلى الاتحاديين، علما أنه سبق لعبد الرحمان أمالو (حزب الاتحاد الدستوري) أن اضطلع بتدبير شؤون هذه الوزارة.
والأكيد هو أن مفهوم "وزارات السيادة" برز بوضوح في خضم

المزيد


أصول التوريث السياسي العربي

ديسمبر 3rd, 2009 كتبها سعيد زياني نشر في , سياسة, فكر و فلسفة

لعل لقب الحاكم هو الصفة السياسية التي تليق بالقادة العرب، باعتبار أن تصنيفات الأنظمة السياسية، التي أتعبت منظري الفكر السياسي منذ أرسطو إلى جورج بوردو، لا تعني شيئا لهؤلاء الزعماء طالما أن أنظمتهم تشترك في كل الصفات بما في ذلك التوريث السياسي بصرف النظر عن التسمية الرسمية لشكل السلطة.
لقد كان معاوية بن أبي سفيان بن حرب هو عراب التوريث السياسي، ومذاك صارت الأمور على هذه الشاكلة ودرجت على هذا المنوال إلى يومنا هذا في قرننا هذا دون أن تجد لها تبديلا.
لقد توافرت لمعاوية صفات وشروط جعلته يصل في مسيرته السياسية إلى محطة التوريث، ولا شك أن بعض هذه الصفات والشروط هي نفسها التي تمكن الحكام العرب من الاستمرارية ومن توريث عقبهم دون خشية من محكوميهم.
لم تكن المعايير السياسية النظرية السائدة في عصر معاوية تؤهله، من حيث المبدأ، لأن يكون الخليفة الخامس. إن هذه الصفة، أي انتفاء المعايير السياسية نظريا للوصول إلى الحكم، يشاركه فيها الكثير من الحكام العرب الذين ارتقوا سدة الحكم بفضل ظروف عرضية لم تكن داخلة في السياق المنطقي لمسار الأحداث السياسية في زمن الحدث.
كان معاوية بن أبى سفيان شيخ مشايخ بنى أمية، ولكنه كان أيضا الخليفة الخامس في دولة كانت تسير بخطى حثيثة على طريق إمبراطورية عملاقة لا يزال يفاخر بها الكثيرون في هذا الزمن، وهذه قطعا صفة لا يدانيه فيها خلفاؤه من الحكام المعاصرين.
إن أهم ما يجمع هؤلاء بمعاوية حجتان سياسيتان ظلتا تبرران الاستمرار في السلطة والتوريث السياسي أيضا، وهما المتمثلتان في حجتي الفراغ السياسي والخوف من الفتنة، فبعد اختفاء علي بن أبى طالب (رضي الله عنه) عن مسرح الصراع قدم معاوية نفسه خليفة بديلا عن استمرار الفتنة، فقبلت الأغلبية هذا العرض عملا بقول بعض الفقهاء «ملك غشوم ولا فتنة تدوم»، فكان عام الجماعة الذي توصل فيه الفرقاء المتصارعون إلى اتفاق يضمن الخلافة لمعاوية حتى نهاية حياته.
كان اتفاق عام الجماعة اتفاقا بين أطراف متصارعة أرادت أن تعيد السيوف إلى أغمادها بعد صراع استحل فيه بعضهم دماء بعض، ولم يكن فيه معاوية هو القوي الوحيد وإن كان أقواهم، ولم يكن الاتفاق على القبول بتولية معاوية مبعثه فقط الخشية من قوة معاوية، بل كان أيضا وراءه سبب بالغ الأهمية في نظرهم، وهو الخوف من الفتنة واستمرار الصراع في دولة وإن بدت آفاق المستقبل مفتوحة أمامها فقد كانت ما تزال هشة بسبب عدم وجود سلطة مركزية.
إذن، كانت الخطوة الأخيرة في مسيرة معاوية إلى السلطة متوجة باتفاق الجماعة التي كانت تضم أطرافا قوية كان بإمكانها أن تستمر في الصراع معه إذا ما وضعت مصلحة الأمة خلف ظهورها. وفي هذه النقطة خاصة، لا يتشابه وصول معاوية إلى السلطة مع وصول خلفائه المعاصرين، فهؤلاء ليسوا في مواجهة تلك الجماعة القوية التي كان شيخ بني أمية يداورها ويناورها ولا يقطع الشعرة معها، بل قطعان من البشر فاقدة لروح ا

المزيد


التالي