الكـتـابة بالبـيـاض
كتبهاسعيد زياني ، في 12 يوليو 2009 الساعة: 19:50 م
إذا كان الأسود لون الحِداد والأسى في أغلب دول العالم، فإن المغاربة اختاروا بدلا عنه اللون الأبيض من أجل إشهار أحزانهم، وهو تعبير حضاري يحمل أكثر من دلالة.
ولم يشذّ الصحافيون المغاربة عن القاعدة الموروثة عن أجدادهم، إذ تصدر صحف اليوم بافتتاحيات بيضاء ناصع لونها وصارخ مضمونها، غير المرئي، بالرفض المطلق لرقابة جبانة لا تجرؤ على إسقاط الأقنعة عن وجهها المقيت بل تتستر وراء حجاب من دخان، ليس فقط من أجل تقليم أظافر الصحافة وتكسير أقلامها وخنق حروفها، بل أيضا من أجل وأْدِهَا في المهد وإدخالها في مرحلة احتضار بطيء عبر حثِّ القضاء على إنزال سيف دِمُقْليسْ على رأسها بغرامات عبثية أو تحريك الهواتف من أجل حجب الإعلانات عنها، وذلك حتى يتفرَّقَ دم الصحافة بين القبائل وتظل الدولة، ظاهريّاً، بعيدة عن العملية وتبقى بمنأى عن أية مسؤولية مُباشرة في إجهاض حُلم الصحافة المغربية الجديدة. وقد اضطلع الصحافيون الشباب بمسؤوليات تفوق طاقة الاحتمال، إذ وجدوا أنفسهم مجبرين على ارتداء العديد من القبعات في نفس الوقت: قبعة الصحافي المهني المنضبط لأخلاقيات المهنة وقواعدها، وقبعة المصلح الاجتماعي المُطالب بتحريك المياه الراكدة للطابوهات السلطوية والمسكوت عنه، وفي الأخير قبعة المعارض بعد أن تخلت جُلُّ الأحزاب عن دورها في المعارضة. وهذه كلها مهام لا يستطيع الصحافي القيام بها ولو كان سوبرمان، زيادة على كونها تشغله عن ممارسة عمله الصحفي.
لم يختر الصحافيون الشباب الاضطلاع بهذه المهام الجسيمة، إذ كان يكفيهم فخرا أن يمارسوا مهنتهم الإعلامية بحِرَفية
عالية.
لقد عشنا، طيلة العقد الأخير، مرحلة عجيبة كنا مطالبين خلالها بقراءة «الإشارات القوية» التي ترسلها إلينا سلطات القرار السياسي.
وهاهي الصحافة الشابة تبعث بدورها رسالة قوية عبر بياض أعمدة افتتاحياتها إلى المقيمين في الأبراج العاجية المتعالية لعلهم يدركون أن أفعالهم لا تتطابق مع أقوالهم ونواياهم المزعومة حول «أوراش التحديث». ومن خلال قمعهم الشرس للصحافة، فإنهم في الواقع يسبحون ضد تيار التّاريخ ومنطقه الذي لن يرحم الذين يراهنون على «بياض» ذاكرتنا من أي مطلب مشروع لهذه الأجيال المتشبعة بوطنِيَّتها (ماشي الوطنية الضّيِّقة) والتي لا تنْشُدُ، في نهاية المطاف، سوى الارتقاء بالمغرب حتى يكون في مستوى عصره وطموح أبنائه. أما أولئك الذين وقعوا شيكات على «بياض» من أجل إعادة إنتاج الأساليب القديمة المصبوغة بلون الرصاص وتنصيب الاستبداد سيّدا للموقف باسم الديمقراطية، فنتمنى أن يمتلكوا ما يكفي من الشجاعة والنزاهة الأخلاقية لكي يقرؤوا بياض افتتاحيات الصحف الصادرة اليوم و(رُبّما المُصَادرة غداً!)، إذ إنه بياض ينذِر بسواد.
أما حرية الصحافة والفكر والإبداع والتعبير فقادمة لا محالة.
الجمعه 10 يوليو 2009 أحمد السنوسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:الأسى, الحِداد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























