في هذه العجالة الفكرية سنحاول تسليط الضوء على واقع عمل الأجهزة الأمنية المنتشرة بكثرة في هذا العالم العربي الكبير، والتي هي في الأصل مؤسسات تابعة للدول وليست تابعة للأشخاص والنخب الحاكمة، لها هيكليتها الإدارية ومسؤولياتها المعروفة بنص الدستور والنظام الداخلي الناظم لعملها وسلوكها..
ولا نهدف من هذه المقالة إلى إثارة أي نوع من ألوان التحريض أو الشحن السلبي ضد تلك القوى والأجهزة المذكورة، أو إلغاء ضرورتها وأهميتها ودورها -كجهات أمنية مؤسساتية تعمل في ضوء الشمس وليس في الخفاء- في الحفاظ على استقرار البلدان وضمان أمن المجتمعات، والمساهمة الفاعلة –مع باقي المؤسسات- في بناء دول مدنية حضارية منيعة وحصينة بقوة القانون قبل أي شيء آخر..
وما نريده فقط هنا تصويب المسار الذي تتحرك عليه تلك الأجهزة، وتحديد الأولويات والاتجاهات القانونية الصحيحة لطبيعة عملها الراهن، والتركيز على الدور الوطني العام المنوط بها على مستوى حماية الناس والمجتمع وضمان أمن الأفراد وليس ضمان أمن النخب السياسية الحاكمة فقط.. خاصة بعد انزياحها عن تطبيق قوانينها الناظمة لعملها، وحدوث تحريفات وانحرافات كبيرة خطيرة على مستوى اشتغالها بالسياسة والاقتصاد والأحوال الشخصية للناس والمواطنين، ودخولها المباشر اللاقانوني إلى صلب عمل المؤسسات الاقتصادية، ونسيان (أو تناسي) دورها الرئيسي في حماية الأوطان والشعوب، وحفظ أمن الناس جميعاً من أعداء الخارج..
أسئلة واستدلالات أولية مطلوبة:
لعبت وتلعب أجهزة الأمن العربية دوراً مهماً وحيوياً في بناء وتشكيل ورعاية نمو بنى الدولة العربية التي ولدت بعد الاستقلال والتحرر من الاستعمار والانتدابات الخارجية منذ عدة عقود..
وبالنظر إلى هذا الدور والمكانة المركزية لتلك الأجهزة -التي حظيت برعاية مادية وتشريعية خاصة من زعامات تلك الدول- فقد نمت وتضخمت وتعمقت دوراً ووظيفةً ومصالح وولاءات وشبكات تنفيع زبائنية مثل النبات الطفيلي العاجز عن التطور والنمو إلا إذا تطفل واعتاش على نباتات أخرى، يأخذ منها نسغ النمو والحياة.. وهكذا كانت وعملت كثير من مواقع الأمن والشرطة السرية العربية على بناء قواها ودولها الخاصة من خلال امتصاص خيرات وموارد ونسغ الحياة الخاص بالدول (وما أكثرها وأعظمها من طاقات وثروات وموارد طبيعية وبشرية)، مما يؤدي باستمرار إلى تقلص وضعف وذبول ويباس مؤسسات شجرة الدولة العربية الأم ذاتها بمختلف مواقعها ومكوناتها وأجزائها.
ويلاحظ في كثير من الوقائع والأحداث السياسية التي تتحرك ويضج بها عالمنا العربي هذه الأيام والمنقولة إلينا عبر مختلف وسائط ووسائل الإعلام ووكالات الأنباء العربية والدولية، إن هناك نفوراً وكراهية وعداء شبه مطلق بين الإنسان العربي ومختلف قواه وأجهزته الأمنية وضمان أمنه وليس ضمان أمن النخبة الحاكمة فقط.. في مقابل وجود حالة عامة ومناخ إيجابي طيب من المحبة والوئام والوحدة الوطنية بين الجيش والشعب والذي يتمثل في هذا الشعار الذي طرح ويطرح في خضم تلك الانتفاضات والثورات العربية الراهنة “الشعب والجيش إيد واحدة”… بينما لم نجد أي ذكر طيب لكثير من القوى والعناصر الأمنية، بل وجدنا أن المتظاهرين في تلك البلدان قد رفعوا شعارات ولافتات الاستنكار والشجب والإدانة لمجمل أعمال القوى والأجهزة الأمنية.. وتجرؤوا عليها وصرخوا في وجه رموزها ونخبتها المهابة بعد عقود طويلة من وجود حواجز الخوف والرهبة..
ومن موقعنا كمتابعين ومراقبين ومحللين للأحداث، نحاول أن ننقل ونحلل بشيء من الموضوعية بعض الحوادث والمتغيرات التي لاشك بأن الكثيرين قد سمعوها أو شاهدوها على كثير من الشاشات الفضائية العربية والدولية هنا وهناك، حيث نسمع مثلاً ما حدث في غير بلد عربي عن أن أهالي هذه المدينة أو تلك البلدة –في هذا البلد العربي أو ذاك، من تلك البلدان التي شهدت أو لا تزال تشهد احتجاجات عارمة يتظاهر فيها الناس مطالبين بالتغيير- قد اتفقوا مع قياداتهم السياسية والعسكرية على منع دخول عناصر وأجهزة الأمن في مقابل السماح بدخول عناصر الجيش إلى داخل مدنهم وبلداتهم.. في دلالة على وجود مصداقية وحالة من الثقة مع مؤسسة الجيش الوطنية مقابل عدم وجود ثقة ولا أمان ولا ضمان مع مختلف الأجهزة والقوى الأمنية كما هو واضح من خلال هذا الإصرار والعناد الشديد من الأهالي على عدم السماح بدخول عناصر الأمن إلى مدنهم وقراهم..
والواضح لنا من خلال تحليل الكلمات والجمل المرفوعة واللافتات والشعارات المطروحة في كثير من تلك الاحتجاجات حتى الآن أن الناس خرجت للشارع لتعيد من جديد الاعتبار لوجودها،
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ